Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:7-9
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أيْ: وجاءَتِ المَلائِكَةُ صَفًّا صَفًّا، ولَكِنْ هاهُنا مانِعٌ آخَرُ مِن جَعْلِ ذَلِكَ حالًا، وهو أنَّ تَقْيِيدَ عِلْمِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ بِحالِ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِصِحَّةِ العَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ يَعْلَمُونَهُ في كُلِّ حالٍ مِنَ الأحْوالِ لا في هَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، فاقْتَضى هَذا أنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾، ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِالعَطْفِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَدَحَهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، فَكَيْفَ يَمْدَحُهم وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ تَرْكَهم لِطَلَبِ عِلْمِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ، ولا جَعَلَ لِخَلْقِهِ إلى عِلْمِهِ سَبِيلًا هو مِن رُسُوخِهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وأنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ هُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وناهِيكَ بِهَذا مِن رُسُوخٍ.
وأصْلُ الرُّسُوخِ في لُغَةِ العَرَبِ: الثُّبُوتُ في الشَّيْءِ، وكُلُّ ثابِتٍ راسِخٌ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ تَرْسَخَ الخَيْلُ أوِ الشَّجَرُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: