Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:253
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وعِنْدِي أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يَجُوزُ لَنا أنْ نُفَضِّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ المَزايا الَّتِي هي مَناطُ التَّفْضِيلِ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ ولَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ عِنْدَ البَشَرِ، فَقَدْ يَجْهَلُ أتْباعُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ بَعْضَ مَزاياهُ وخُصُوصِيّاتِهِ (p-١٧٣)فَضْلًا عَنْ مَزايا غَيْرِهِ، والتَّفْضِيلُ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِجَمِيعِ الأسْبابِ الَّتِي يَكُونُ بِها هَذا فاضِلًا وهَذا مَفْضُولًا، لا قَبْلَ العِلْمِ بِبَعْضِها أوْ بِأكْثَرِها أوْ بِأقَلِّها، فَإنَّ ذَلِكَ تَفْضِيلٌ بِالجَهْلِ وإقْدامٌ عَلى أمْرٍ لا يَعْلَمُهُ الفاعِلُ لَهُ وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَلَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا القُرْآنُ في الإخْبارِ لَنا بِأنَّ اللَّهَ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْبَشَرِ أنْ يُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ؟ وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالقُرْآنُ فِيهِ الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضٍ، والسُّنَّةُ فِيها النَّهْيُ لِعِبادِهِ أنْ يُفَضِّلُوا بَيْنَ أنْبِيائِهِ، فَمَن تَعَرَّضَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُما زاعِمًا أنَّهُما مُتَعارِضانِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا.