Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:233
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿لا تُضارَّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وجَماعَةٌ ورَواهُ أبانُ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في المَشْهُورِ عَنْهُ تُضارَّ بِفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ عَلى النَّهْيِ، وأصْلُهُ لا تُضارِرْ أوْ لا تُضارَرْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، أيْ لا تُضارِرِ الأبَ بِسَبَبِ الوَلَدِ بِأنْ تَطْلُبَ مِنهُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ والكُسْوَةِ، أوْ بِأنْ تُفَرِّطَ في حِفْظِ الوَلَدِ والقِيامِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ، أوْ لا تُضارَرُ مِن زَوْجِها بِأنْ يُقَصِّرَ عَلَيْها في شَيْءٍ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ أوْ يُنْتَزَعُ ولَدُها مِنها بِلا سَبَبٍ، وهَكَذا قِراءَةُ الرَّفْعِ تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ " لا تُضارَرْ " عَلى الأصْلِ بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ " لا تُضارْ " بِإسْكانِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، ورُوِيَ عَنْهُ الإسْكانُ والتَّشْدِيدُ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ عَبّاسٍ " لا تُضارِرْ " بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِوَلَدِهِ صِلَةً لِقَوْلِهِ: تُضارُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى تَضُرُّ: أيْ لا تَضُرُّ والِدَةٌ بِوَلَدِها فَتُسِيءَ تَرْبِيَتَهُ أوْ تُقَصِّرَ في غِذائِهِ، وأُضِيفَ الوَلَدُ تارَةً إلى الأبِ وتارَةً إلى الأُمِّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتَحِقُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْطافِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْصِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لَها: أيْ لا يُكَلِّفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ ما لا يُطِيقُهُ فَلا تُضارَّهُ بِسَبَبِ ولَدِهِ.