Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:199-203
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ مَعْناهُ أنَّ التَّخْيِيرَ ورَفْعَ الإثْمِ ثابِتٌ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّ صاحِبَ التَّقْوى يَتَحَرَّزُ عَنْ كُلِّ ما يُرِيبُهُ، فَكانَ أحَقَّ بِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الحُكْمِ.
قالَ الأخْفَشُ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ الحَجِّ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وقِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ لِمَنِ اتَّقى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ: أيِ الذِّكْرُ لِمَنِ اتَّقى.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: " كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يَفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ " .
وأخْرَجا أيْضًا عَنْها مَوْقُوفًا نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى رِواياتٌ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ لَهم: عِبادِي آمَنُوا بِوَعْدِي وصَدَّقُوا بِرُسُلِي ما جَزاؤُهم ؟ فَيُقالُ: أنْ تَغْفِرَ لَهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .