Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:199-203
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي ﴿لَهم نَصِيبٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ما كَسَبُوا مِنَ الأعْمالِ: أيْ مِن ثَوابِها، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمُ الدُّعاءُ، فَما أعْطاهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِمّا كَسَبُوا، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ التَّعْلِيلُ: أيْ مِن أجْلِ ما كَسَبُوا، وهو بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا: أيْ لِلْأوَّلِينَ نَصِيبٌ مِنَ الدُّنْيا ولا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، ولِلْآخِرِينَ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
وسَرِيعٌ مِن سَرُعَ يَسْرُعُ كَعَظُمَ يَعْظُمُ سَرَعًا وسُرْعَةً، والحِسابُ مَصْدَرٌ كالمُحاسَبَةِ، وأصْلُهُ العَدَدُ، يُقالُ: حَسَبَ يَحْسُبُ حِسابًا، وحِسابَةً وحُسْبانًا وحَسْبًا.
والمُرادُ هُنا المَحْسُوبُ، سُمِّيَ حِسابًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ، والمَعْنى: أنَّ حِسابَهُ لِعِبادِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ سَرِيعٌ مَجِيئُهُ، فَبادِرُوا ذَلِكَ بِأعْمالِ الخَيْرِ، أوْ أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ حِسابِ الخَلائِقِ عَلى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُهم في حالَةٍ واحِدَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] .
قَوْلُهُ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ في هَذِهِ الآيَةِ هي أيّامُ مِنًى وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي أيّامُ رَمْيِ الجِمارِ.