Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:190-193
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ القِتالُ في الحَرَمِ إلّا بَعْدَ أنْ يَتَعَدّى بِالقِتالِ فِيهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالمُقاتَلَةِ لَهُ، وهَذا هو الحَقُّ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ بِبِناءِ العامِّ عَلى الخاصِّ، فَيُقْتَلُ المُشْرِكُ حَيْثُ وُجِدَ إلّا بِالحَرَمِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» وهو في الصَّحِيحِ.
وقَدِ احْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّسْخِ بِقَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ خَطَلٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي أحَلَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ (p-١٢٤)عَنْ قِتالِكم ودَخَلُوا في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِمُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ إلى غايَةٍ هي أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، وهو الدُّخُولُ في الإسْلامِ، والخُرُوجُ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، فَمَن دَخَلَ في الإسْلامِ وأقْلَعَ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ قِتالُهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها الفِتْنَةُ في الدِّينِ عَلى عُمُومِها كَما سَلَفَ.