Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:190-193
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِتالَ كانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ كانَ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَن عَدا النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ ونَحْوِهم، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ، والمُرادُ بِالِاعْتِداءِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ هو مُقاتَلَةُ مَن يُقاتِلُ مِنَ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ.
والمُرادُ بِهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مُجاوَزَةُ قَتْلِ مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُقالُ: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقَفًا، ورَجُلٌ ثَقِيفٌ: إذا كانَ مُحْكِمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ.
قالَ في الكَشّافِ: والثَّقَفُ وُجُودٌ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، ومِنهُ رَجُلٌ ثَقَفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ. انْتَهى.