Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:133-141
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ