Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:122-124
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وفِي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: ذَرَّتِ الرِّيحُ السَّحابَ وغَيْرَهُ تَذْرُوهُ وتَذْرِيهِ ذَرْوًا وذَرْيًا، أيْ نَسَفَتْهُ، وقالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمُّوا ذُرِّيَّةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَرَأها عَلى الأرْضِ كَما ذَرَأ الزّارِعُ البِذْرَ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالعَهْدِ فَقِيلَ: الإمامَةُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: عَهْدُ اللَّهِ: أمْرُهُ، وقِيلَ: الأمانُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ والأوَّلُ أظْهَرُ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والعَمَلِ بِالشَّرْعِ كَما ورَدَ، لِأنَّهُ إذا زاغَ عَنْ ذَلِكَ كانَ ظالِمًا.
ويُمْكِنُ أنْ يُنْظَرَ إلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَهْدِ وما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ العُمُومِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى السَّبَبِ ولا إلى السِّياقِ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى اشْتِراطِ السَّلامَةِ مِن وصْفِ الظُّلْمِ في كُلِّ مَن تَعَلَّقَ بِالأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَنالُ عَهْدُ اللَّهِ بِالإمامَةِ ظالِمًا، فَفِيها إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ أنَّهُ سَيُوجَدُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.
انْتَهى.
ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا جَدْوى لِكَلامِهِ هَذا.