Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:99-103
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والسِّحْرُ: هو ما يَفْعَلُهُ السّاحِرُ مِنِ الحِيَلِ والتَّخْيِيلاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبِها لِلْمَسْحُورِ ما يَحْصُلُ مِنَ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ الشَّبِيهَةِ بِما يَقَعُ لِمَن يَرى السَّرابَ فَيَظُنُّهُ ماءً، وما يَظُنُّهُ راكِبُ السَّفِينَةِ أوِ الدّابَّةِ مِن أنَّ الجِبالَ تَسِيرُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن سَحَرْتُ الصَّبِيَّ: إذا خَدَعْتَهُ، وقِيلَ: أصْلُهُ الخَفاءُ، فَإنَّ السّاحِرَ يَفْعَلُهُ خُفْيَةً، وقِيلَ: أصْلُهُ الصَّرْفُ لِأنَّ السِّحْرَ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَتِهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ الِاسْتِمالَةُ لِأنَّ مَن سَحَرَكَ فَقَدِ اسْتَمالَكَ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: السِّحْرُ الأخْذَةُ، وكُلُّ ما لَطُفَ ودَقَّ فَهو سِحْرٌ.
وقَدْ سَحَرَهُ يَسْحَرُهُ سِحْرًا، والسّاحِرُ: العالِمُ، وسَحَرَهُ أيْضًا بِمَعْنى خَدَعَهُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أمْ لا ؟ فَذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ وأبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ خِداعٌ لا أصْلَ لَهُ ولا حَقِيقَةَ.
وذَهَبَ مَن عَداهم إلى أنَّ لَهُ حَقِيقَةً مُؤَثِّرَةً.
وقَدْ صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ، سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ حَتّى كانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأْتِي الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ قَدْ أتاهُ، ثُمَّ شَفاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ.
وقَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ أيْ ويُعَلِّمُونَ النّاسَ ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى السِّحْرِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ما تَتْلُو الشَّياطِينُ أيْ واتَّبَعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى المَلَكَيْنِ.