Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:63-66
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اليَهُودَ افْتَرَقَتْ فِرْقَتَيْنِ: فَفِرْقَةٌ اعْتَدَتْ في السَّبْتِ: أيْ جاوَزَتْ ما أمَرَها اللَّهُ بِهِ مِنَ العَمَلِ فِيهِ فَصادُوا السَّمَكَ الَّذِي نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ صَيْدِهِ فِيهِ، والفِرْقَةُ الأُخْرى انْقَسَمَتْ إلى فِرْقَتَيْنِ: فَفِرْقَةٌ جاهَرَتْ بِالنَّهْيِ واعْتَزَلَتْ وفِرْقَةٌ لَمْ تُوافِقِ المُعْتَدِينَ ولا صادُوا مَعَهم لَكِنَّهم جالَسُوهم ولَمْ يُجاهِرُوهم بِالنَّهْيِ ولا اعْتَزَلُوا عَنْهم فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ولَمْ تَنْجُ إلّا الفِرْقَةُ الأُولى فَقَطْ.
وهَذِهِ مِن جُمْلَةِ المِحَنِ الَّتِي امْتَحَنَ اللَّهُ بِها هَؤُلاءِ الَّذِينَ بالَغُوا في العَجْرَفَةِ وعانَدُوا أنْبِياءَهم، وما زالُوا في كُلِّ مَوْطِنٍ يُظْهِرُونَ مِن حَماقاتِهِمْ وسُخْفِ عُقُولِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ نَوْعًا مِن أنْواعِ التَّعَسُّفِ، وشُعَبًا مِن شُعَبِ التَّكَلُّفِ، فَإنَّ الحِيتانَ كانَتْ في يَوْمِ السَّبْتِ كَما وصَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم﴾ فاحْتالُوا لِصَيْدِها، وحَفَرُوا الحَفائِرَ وشَقُّوا الجَداوِلَ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ فَيَصِيدُونَها يَوْمَ الأحَدِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الحِيلَةِ الباطِلَةِ.
والخاسِئُ: المُبْعَدُ، يُقالُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ وخُسِئَ وانْخَسَأ: أبْعَدْتُهُ فَبَعُدَ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ مُبْعَدًا.