Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:58-59
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القَرْيَةُ هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: إنَّها أرِيحاءُ قَرْيَةٌ مِن قُرى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: مِن قُرى الشّامِ.
وقَوْلُهُ: كُلُوا أمْرُ إباحَةٍ، رَغَدًا كَثِيرًا واسِعًا، وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أكْلًا رَغَدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٦١)فِي مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
والبابُ الَّذِي أُمِرُوا بِدُخُولِهِ هو بابٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ اليَوْمَ بِبابِ حِطَّةٍ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ.
والسُّجُودُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وقِيلَ: هو هُنا الِانْحِناءُ، وقِيلَ: التَّواضُعُ والخُضُوعُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالسُّجُودِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ لامْتَنَعَ الدُّخُولُ المَأْمُورُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الدُّخُولُ حالَ السُّجُودِ الحَقِيقِيِّ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهم أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ وتَواضُعًا.
واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ المادِّ فَقالَ: لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ، بَلْ هو قَيْدٌ في وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ وهو الدُّخُولُ، والأحْوالُ نِسَبٌ تَقْيِيدِيَّةٌ، والأوامِرُ نِسَبٌ إسْنادِيَّةٌ انْتَهى.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِالمُقَيَّدِ أمْرٌ بِالقَيْدِ، فَمَن قالَ اخْرُجْ مُسْرِعًا فَهو آمِرٌ بِالخُرُوجِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، فَلَوْ خَرَجَ غَيْرَ مُسْرِعٍ كانَ عِنْدَ أهْلِ اللِّسانِ مُخالِفًا لِلْأمْرِ.