Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:44-46
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ولَمْ يَقُلْ ما لَمْ يُعاضا بَلْ جَعَلَ الضَّمِيرَ راجِعًا إلى الشَّبابِ، لِأنَّ الشَّعْرَ الأسْوَدَ داخِلٌ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ مِن دُونِ اعْتِبارِ دُخُولِ الصَّبْرِ تَحْتَها لِأنَّ الصَّبْرَ هو عَلَيْها، كَما قِيلَ سابِقًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الصَّلاةِ وإنْ كانَ الصَّبْرُ مُرادًا مَعَها، لَكِنْ لَمّا كانَتْ آكَدَ وأعَمَّ تَكْلِيفًا وأكْثَرَ ثَوابًا كانَتِ الكِنايَةُ بِالضَّمِيرِ عَنْها، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى الأشْياءِ المَكْنُوزَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] فَأرْجَعَ الضَّمِيرَ هُنا إلى الفِضَّةِ والتِّجارَةِ لَمّا كانَتِ الفِضَّةُ أعَمَّ نَفْعًا وأكْثَرَ وُجُودًا، والتِّجارَةُ هي الحامِلَةَ عَلى الِانْفِضاضِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّ الصَّبْرَ هُناكَ جُعِلَ داخِلًا تَحْتَ الصَّلاةِ، وهُنا لَمْ يَكُنْ داخِلًا وإنْ كانَ مُرادًا، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ الصَّبْرُ والصَّلاةُ، ولَكِنْ أرْجَعَ الضَّمِيرَ إلى أحَدِهِما اسْتِغْناءً بِهِ عَنِ الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيِ ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً وأُمَّهُ آيَةً.
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
وقالَ آخَرُ: