Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:40-43
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وإنْشاءاتِهِ، أوْ إلى ما قالَهُ شاعِرٌ مِنَ الشُّعَراءِ مِنَ القَصائِدِ الَّتِي تَكُونُ تارَةً مَدْحًا وأُخْرى هِجاءً، وحِينًا نَسِيبًا وحِينًا رِثاءً، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأنْواعِ المُتَخالِفَةِ، فَعَمَدَ هَذا المُتَصَدِّي إلى ذَلِكَ المَجْمُوعِ فَناسَبَ بَيْنَ فِقَرِهِ ومَقاطِعِهِ، ثُمَّ تَكَلَّفَ تَكَلُّفًا آخَرَ فَناسَبَ بَيْنَ الخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَها في الجِهادِ والخُطْبَةِ الَّتِي في الحَجِّ والخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَها في النِّكاحِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وناسَبَ بَيْنَ الإنْشاءِ الكائِنِ في العَزاءِ والإنْشاءِ الكائِنِ في الهَناءِ وما يُشابِهُ ذَلِكَ، لَعُدَّ هَذا المُتَصَدِّي لِمِثْلِ هَذا مُصابًا في عَقْلِهِ مُتَلاعِبًا بِأوْقاتِهِ عابِثًا بِعُمْرِهِ الَّذِي هو رَأْسُ مالِهِ، وإذا كانَ مِثْلُ هَذا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، وهو رُكُوبُ الأُحْمُوقَةِ في كَلامِ البَشَرِ، فَكَيْفَ تَراهُ يَكُونُ في كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي أعْجَزَتْ بَلاغَتُهُ بُلَغاءَ العَرَبِ، وأبْكَمَتْ فَصاحَتُهُ فُصَحاءَ عَدْنانَ وقَحْطانَ.
وقَدْ عَلِمَ كُلُّ مُقَصِّرٍ وكامِلٍ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وصَفَ هَذا القُرْآنَ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ، وأنْزَلَهُ بِلُغَةِ العَرَبِ، وسَلَكَ فِيهِ مَسالِكَهم في الكَلامِ، وجَرى بِهِ مَجارِيَهم في الخِطابِ.
وقَدْ عَلِمْنا أنَّ خَطِيبَهم كانَ يَقُومُ المَقامَ الواحِدَ فَيَأْتِي بِفُنُونٍ مُتَخالِفَةٍ، وطَرائِقَ مُتَبايِنَةٍ فَضْلًا عَنِ المَقامَيْنِ، فَضْلًا عَنِ المَقاماتِ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ ما قالَهُ ما دامَ حَيًّا، وكَذَلِكَ شاعِرُهم.