Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 2:1
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وإذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في بَيانِ مَعانِي هَذِهِ الحُرُوفِ جازِمًا بِأنَّ ذَلِكَ هو ما أرادَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ غَلِطَ أقْبَحَ الغَلَطِ ورَكِبَ في فَهْمِهِ ودَعْواهُ أعْظَمَ الشَّطَطِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ تَفْسِيرُهُ لَها بِما فَسَّرَها بِهِ راجِعًا إلى لُغَةِ العَرَبِ وعُلُومِها فَهو كَذِبٌ بَحْتٌ، فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإذا سَمِعَهُ السّامِعُ مِنهم كانَ مَعْدُودًا عِنْدَهُ مِنَ الرَّطانَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم قَدْ يَقْتَصِرُونَ عَلى أحْرُفٍ أوْ حُرُوفٍ مِنَ الكَلِمَةِ الَّتِي يُرِيدُونَ النُّطْقَ بِها، فَإنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويُفِيدُ مَعْناهُ، بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلى سامِعِهِ كَمِثْلِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ومِن هَذا القَبِيلِ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ التَّرْخِيمِ، وأيْنَ هَذِهِ الفَواتِحُ الواقِعَةُ في أوائِلِ السُّوَرِ مِن هَذا ؟ وإذا تَقَرَّرَ لَكَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِفادَةُ ما ادَّعَوْهُ مِن لُغَةِ العَرَبِ وعُلُومِها لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ التَّفْسِيرُ بِمَحْضِ الرَّأْيِ الَّذِي ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ والوَعِيدُ عَلَيْهِ، وأهْلُ العِلْمِ أحَقُّ النّاسِ بِتَجَنُّبِهِ والصَّدِّ عَنْهُ والتَّنَكُّبِ عَنْ طَرِيقِهِ، وهم أتْقى لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِن أنْ يَجْعَلُوا كِتابَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِلْعَبَةً لَهم يَتَلاعَبُونَ بِهِ ويَضَعُونَ حَماقاتِ أنْظارِهِمْ وخُزَعْبَلاتِ أفْكارِهِمْ عَلَيْهِ.