Tafsir
Tafsir al-Qur'an al-'Azim (Tafsir Ibn Kathir) — 9:37
Tafsir al-Qur'an al-'Azim (Tafsir Ibn Kathir) · Isma'il ibn 'Umar Ibn Kathir
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَكَيْفَ تَصِحُّ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّى هَذَا؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٣] ، وَإِنَّمَا نُودِيَ بِذَلِكَ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْحِجَّةِ لَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ﴾ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِمُ النَّسِيءَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ، مِنْ دَوَرَانِ السَّنَةِ عَلَيْهِمْ، وَحَجِّهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ؛ فَإِنَّ النَّسِيءَ حَاصِلٌ بِدُونِ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُحِلُّونَ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ عَامًا يُحَرِّمُونَ عِوَضَهُ صفرا، وَبَعْدَهُ رَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِ [السَّنَةِ وَالسَّنَةُ بِحَالِهَا عَلَى نِظَامِهَا وَعِدَّتِهَا وَأَسْمَاءِ شُهُورِهَا ثُمَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ وَيَتْرُكُونَهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَبَعْدَهُ صَفَرٌ، وَرَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِهَا] فَيُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا؛ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَيْ: فِي تَحْرِيمِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَارَةً يُقَدِّمُونَ تَحْرِيمَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَوَالِيَةِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ، وَتَارَةً يَنْسَئُونَهُ إِلَى صَفَرٍ، أَيْ: يُؤَخِّرُونَهُ. وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ"، أَيْ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي عِدَّةِ الشُّهُورِ وَتَحْرِيمِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْهَا، عَلَى مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالتَّوَالِي، لَا كَمَا يَعْتَمِدُهُ جَهَلَةُ الْعَرَبِ، مِنْ فَصْلِهِمْ تَحْرِيمَ بَعْضِهَا بِالنَّسِيءِ عَنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.