Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 77:1-15
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
(وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ) أَتْبَعَ التَّعْظِيمَ تَعْظِيمًا، أي وما أعلمك ما يوم الفصل؟ (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أَيْ عَذَابٌ وَخِزْيٌ لِمَنْ كَذَّبَ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَبِيَوْمِ الْفَصْلِ فَهُوَ وَعِيدٌ. وَكَرَّرَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ لِمَنْ كَذَّبَ، لِأَنَّهُ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإِنَّ لِكُلِّ مُكَذِّبٍ بِشَيْءٍ عَذَابًا سِوَى تكذيبه بشيء آخر، ورب شي كَذَّبَ بِهِ هُوَ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ تَكْذِيبِهِ بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَقْبَحُ فِي تَكْذِيبِهِ، وَأَعْظَمُ فِي الرَّدِّ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّمَا يُقْسَمُ لَهُ مِنَ الْوَيْلِ عَلَى قَدْرٍ ذَلِكَ، وَعَلَى قَدْرِ وِفَاقِهِ وهو قوله: جَزاءً وِفاقاً. [النبأ: ٢٦]. وَرُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ فِيهِ أَلْوَانُ الْعَذَابِ. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا خَبَتْ جَهَنَّمُ أُخِذَ مِنْ جَمْرِهِ فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا فَيَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: [عُرِضَتْ عَلَيَّ جَهَنَّمُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا وَادِيًا أَعْظَمَ مِنَ الْوَيْلِ [وَرُوِيَ أَنَّهُ مَجْمَعُ مَا يَسِيلُ مِنْ قَيْحِ أَهْلِ النَّارِ وَصَدِيدِهِمْ، وَإِنَّمَا يَسِيلُ الشَّيْءُ فِيمَا سَفُلَ مِنَ الْأَرْضِ وَانْفَطَرَ، وَقَدْ عَلِمَ الْعِبَادُ فِي الدُّنْيَا أَنَّ شَرَّ الْمَوَاضِعِ فِي الدُّنْيَا مَا اسْتَنْقَعَ فِيهَا مِيَاهُ الْأَدْنَاسِ وَالْأَقْذَارِ وَالْغُسَالَاتِ مِنَ الْجِيَفِ وَمَاءِ الْحَمَّامَاتِ، فَذَكَرَ أن ذلك الْوَادِيَ. مُسْتَنْقَعُ صَدِيدِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، لِيَعْلَمَ ذوو العقول أنه لا شي أَقْذَرَ مِنْهُ قَذَارَةً، وَلَا أَنْتَنَ مِنْهُ نَتْنًا، وَلَا أَشَدَّ مِنْهُ مَرَارَةً، وَلَا أَشَدَّ سَوَادًا مِنْهُ، ثُمَّ وَصَفَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا تَضَمَّنَ مِنَ الْعَذَابِ، وَأَنَّهُ أَعْظَمُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى في وعيده في هذه السورة.