Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 39:67-68
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ مِنْ قَوْلِكَ فُلَانٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا وَمَا عظموه حق عظمته إذ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ وَهُوَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا، ثم أخبر عن قدرته وعظمته فقال: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ). ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ذلك بجارحة فَقَالَ: (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يا محمد إن الله يمسك السموات عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: "وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" قَالَتْ: قُلْتُ فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ" فِي رِوَايَةٍ "عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ" قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: "وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ" وَيَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ "عِبَارَةٌ عَنْ قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِجَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، يُقَالُ مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قَبْضَتِي، بِمَعْنَى مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قُدْرَتِي، وَالنَّاسُ يَقُولُونَ الْأَشْيَاءُ فِي قَبْضَتِهِ يُرِيدُونَ فِي مِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى الْقَبْضُ وَالطَّيُّ إِفْنَاءُ الشَّيْءِ وَإِذْهَابُهُ فَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ "يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا ذَاهِبَةٌ فَانِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ شَاهِدَانِ قَوْلُهُ:" وَالْأَرْضُ جَمِيعاً "وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعَ تَفْخِيمٍ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَوْلُهُ:" وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ "لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ طَيًّا بِعِلَاجٍ وَانْتِصَابٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْفَنَاءُ وَالذَّهَابُ، يُقَالُ: قَدِ انْطَوَى عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ وَجَاءَنَا غَيْرُهُ، وَانْطَوَى عَنَّا دَهْرٌ بِمَعْنَى الْمُضِيِّ وَالذَّهَابِ، وَالْيَمِينُ في كلام العرب قد تون بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمِلْكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ﴾يُرِيدُ بن الْمِلْكَ، وَقَالَ:" لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ" أَيْ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ أَيْ لَأَخَذْنَا قُوَّتَهُ وَقُدْرَتَهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ والمبرد: اليمين القوة والقدرة، وأنشداء: