Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 26:90-104
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
(وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) أَيْ صَدِيقٍ مُشْفِقٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْإِخْوَانِ فَإِنَّهُمْ عُدَّةُ الدُّنْيَا وَعُدَّةُ الآخرة، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ: "فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ" الزَّمَخْشَرِيُّ: وَجُمِعَ الشَّافِعُ لِكَثْرَةِ الشَّافِعِينَ وَوُحِّدَ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا امْتُحِنَ بِإِرْهَاقِ ظَالِمٍ مَضَتْ جَمَاعَةٌ وَافِرَةٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ لِشَفَاعَتِهِ، رَحْمَةً لَهُ وَحِسْبَةً وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ بِأَكْثَرِهِمْ مَعْرِفَةٌ، وَأَمَّا الصَّدِيقُ فَهُوَ الصَّادِقُ فِي وِدَادِكَ الَّذِي يُهِمُّهُ مَا يُهِمُّكَ فَأَعَزُّ مِنْ بِيضِ الْأُنُوقِ، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّدِيقِ فَقَالَ: اسْمٌ لَا مَعْنَى لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّدِيقِ الْجَمْعَ. وَالْحَمِيمِ الْقَرِيبَ وَالْخَاصَّ، وَمِنْهُ حَامَّةُ الرَّجُلِ أَيْ أَقْرِبَاؤُهُ. وَأَصْلُ هَذَا مِنَ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، وَمِنْهُ الْحَمَّامُ وَالْحُمَّى، فَحَامَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يُحْرِقُهُمْ ما أحرقه، يقال: هم حُزَانَتُهُ أَيْ يُحْزِنُهُمْ مَا يُحْزِنُهُ. وَيُقَالُ: حُمَّ الشَّيْءُ وَأَحَمَّ إِذَا قَرُبَ، وَمِنْهُ الْحُمَّى، لِأَنَّهَا تُقَرِّبُ مِنَ الْأَجَلِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَرِيبُ حَمِيمًا، لِأَنَّهُ يُحْمَى لِغَضَبِ صَاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الْحَمِيَّةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُذْهِبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَوَدَّةَ الصَّدِيقِ وَرِقَّةَ الْحَمِيمِ. وَيَجُوزُ: "وَلَا صَدِيقٌ حَمِيمٌ" بِالرَّفْعِ عَلَى مَوْضِعِ "مِنْ شافِعِينَ"، لِأَنَّ "مِنْ شافِعِينَ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَجَمْعُ صَدِيقٍ أَصْدِقَاءُ وَصُدَقَاءُ وَصِدَاقٌ. وَلَا يُقَالُ صُدُقٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ النَّعْتِ وَغَيْرِهِ. وَحَكَى الْكُوفِيُّونَ: أَنَّهُ يُقَالُ فِي جَمْعِهِ صُدْقَانُ. النَّحَّاسُ: وَهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّ هَذَا جَمْعُ مَا لَيْسَ بِنَعْتٍ نَحْوَ رَغِيفٍ وَرُغْفَانٍ. وحكموا أيضا صديق وأ صادق. وأفاعل إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ أَفْعَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَعْتًا نَحْوَ أَشْجَعَ وَأَشَاجِعَ. وَيُقَالُ: صَدِيقٌ لِلْوَاحِدِ والجماعة وللمرأة، قال الشاعر :