Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 22:52
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
حِفْظِهِ فَجَرَى عِنْدَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مَا كَانَ فِي حِفْظِهِ سَهْوًا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ السَّهْوُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَمْهِيدًا لِعُذْرِهِ وَتَسْلِيَةً لَهُ، لِئَلَّا يُقَالَ: إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ بَعْضِ قِرَاءَتِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا جَرَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ سَهْوًا، وَالسَّهْوُ إِنَّمَا يَنْتَفِي عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْأَبْيَضُ كَانَ قَدْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَلْقَى فِي قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا، وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى. وَهَذَا التَّأْوِيلُ وَإِنْ كَانَ أَشْبَهَ مِمَّا قَبْلَهُ فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ لِاخْتِيَارِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ إِيَّاهُ، وَضَعْفُ الْحَدِيثِ مُغْنٍ عَنْ كُلِّ تَأْوِيلٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَيْضًا وَتَوْهِينِهِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ " [الاسراء: ٧٣] الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا تَرُدَّانِ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَوْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّهُمْ كَادُوا يَفْتِنُونَهُ حَتَّى يَفْتَرِيَ، وَأَنَّهُ لَوْلَا أَنْ ثَبَّتَهُ لَكَانَ يَرْكَنُ إِلَيْهِمْ. فَمَضْمُونُ هَذَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْ أَنْ يَفْتَرِيَ وَثَبَّتَهُ حَتَّى لَمْ يَرْكَنْ إِلَيْهِمْ قَلِيلًا فَكَيْفَ كَثِيرًا، وَهُمْ يَرْوُونَ فِي أَخْبَارِهِمُ الْوَاهِيَةِ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الرُّكُونِ وَالِافْتِرَاءِ بِمَدْحِ آلِهَتِهِمْ، وَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ. وَهَذَا ضِدُّ مَفْهُومِ الْآيَةِ، وَهِيَ تُضَعِّفُ الْحَدِيثَ لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ وَلَا صِحَّةَ لَهُ. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَلَقَدْ طَالَبَتْهُ قُرَيْشٌ وَثَقِيفٌ إِذْ مَرَّ بِآلِهَتِهِمْ أَنْ يُقْبِلَ بِوَجْهِهِ إِلَيْهَا، وَوَعَدُوهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَمَا فَعَلَ! وَلَا كَانَ لِيَفْعَلَ! قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَا قَارَبَ الرَّسُولُ وَلَا رَكَنَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ كَادُوا، وَدَخَلَتْ إِنْ وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى "تَمَنَّى" حَدَّثَ، لَا "تَلَا". رُوِيَ عَنْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) قَالَ: إِلَّا إِذَا حَدَّثَ "أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) " قال: في حديثه (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ) قَالَ: فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ وَأَعْلَاهُ وَأَجَلُّهُ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ