Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 18:61-65
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا﴾ الْعَبْدُ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَبِمُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ. وَخَالَفَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ صَاحِبُ مُوسَى بِالْخَضِرِ بَلْ هُوَ عَالِمٌ آخَرُ. وَحَكَى أَيْضًا هَذَا الْقَوْلَ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَبْدٌ صَالِحٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ الْخَضِرَ، بِذَلِكَ وَرَدَ الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. الْفَرْوَةُ هُنَا وَجْهُ الْأَرْضِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْخَضِرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: هُوَ عَبْدٌ صَالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ، وَالْآيَةُ تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ لِأَنَّ بَوَاطِنَ أَفْعَالِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِوَحْيٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَعَلَّمُ وَلَا يَتَّبِعُ إِلَّا مَنْ فَوْقَهُ، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ النَّبِيِّ مَنْ ليس بنبي. وَقِيلَ: كَانَ مَلَكًا أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ مِمَّا حَمَلَهُ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ. وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.