Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 18:1-3
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَالْوَصِيدُ أَيْضًا الْفِنَاءُ، وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَوُصْدَانٌ. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً- إِلَى قَوْلِهِ- الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أَهْلُ السُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ مِنْهُمْ. "لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً. سَيَقُولُونَ" يَعْنِي أَحْبَارَ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَمَرُوهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ. "ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ" أَيْ لَا تُكَابِرْهُمْ. "إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً" فَإِنَّهُمْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِمْ. "وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً" أَيْ لَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ سَأَلُوكَ عَنْهُ كَمَا قُلْتَ فِي هَذَا إِنِّي مُخْبِرُكُمْ غَدًا، وَاسْتَثْنِ مَشِيئَةَ اللَّهِ، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يَهْدِيَنِي رَبِّي لِخَبَرِ مَا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ رَشَدًا، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَنَا صَانِعٌ فِي ذَلِكَ. "وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً" أَيْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ. "قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً" أي لم يخف عليه شي ما سَأَلُوكَ عَنْهُ. قُلْتُ: هَذَا مَا وَقَعَ فِي السِّيرَةِ مِنْ خَبَرِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ذَكَرْنَاهُ عَلَى نَسَقِهِ . وَيَأْتِي خَبَرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ، ثُمَّ نَعُودُ إِلَى أَوَّلِ السُّورَةِ فَنَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَزَعَمَ الْأَخْفَشُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجُمْهُورُ الْمُتَأَوِّلِينَ أَنَّ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَأَنَّ الْمَعْنَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يجعل له عوجا. و "قَيِّماً" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْكَلَامُ عَلَى سِيَاقِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، وَمَعْنَاهُ: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ قيما. وقول الضحاك فيه حسن، وأن الْمَعْنَى: مُسْتَقِيمٌ ، أَيْ مُسْتَقِيمُ الْحِكْمَةِ لَا خَطَأَ فِيهِ وَلَا فَسَادَ وَلَا تَنَاقُضَ. وَقِيلَ: "قَيِّماً" عَلَى الْكُتُبِ السَّابِقَةِ يُصَدِّقُهَا. وَقِيلَ: "قَيِّماً" بِالْحُجَجِ أَبَدًا. "عِوَجاً" مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْعِوَجُ (بِكَسْرِ الْعَيْنِ) فِي الدِّينِ وَالرَّأْيِ وَالْأَمْرِ وَالطَّرِيقِ. وَبِفَتْحِهَا فِي الْأَجْسَامِ كَالْخَشَبِ وَالْجِدَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ»