Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 16:106
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الرُّخْصَةُ فِيمَنْ حَلَّفَهُ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ مَالِ رَجُلٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا خَافَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَالِهِ فَلْيَحْلِفْ وَلَا يُكَفِّرْ يَمِينَهُ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ إِذَا حَلَفَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِ نَفْسِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدِ بْنِ أَشْرَسَ صَاحِبَ مَالِكٍ اسْتَحْلَفَهُ السُّلْطَانُ بِتُونُسَ عَلَى رَجُلٍ أَرَادَ السُّلْطَانُ قَتْلَهُ أَنَّهُ مَا آوَاهُ، وَلَا يَعْلَمُ لَهُ مَوْضِعًا، قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ ابْنُ أَشْرَسَ، وَابْنُ أَشْرَسَ يَوْمئِذٍ قَدْ عَلِمَ مَوْضِعَهُ وَآوَاهُ، فَحَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا، فَحَلَفَ لَهُ ابْنُ أَشْرَسَ، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اعْتَزِلِي فَاعْتَزَلَتْهُ، ثُمَّ رَكِبَ ابْنُ أَشْرَسَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْبُهْلُولِ بْنِ رَاشِدٍ الْقَيْرَوَانَ، فَأَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ، فَقَالَ لَهُ الْبُهْلُولُ: قَالَ مَالِكٌ إِنَّكَ حَانِثٌ. فَقَالَ ابْنُ أَشْرَسَ: وَأَنَا سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أردت الرخصة أو كلام هذا معناه، فقال له البهلول ابن رَاشِدٍ: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْكَ. قَالَ: فَرَجَعَ ابْنُ أَشْرَسَ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَخَذَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ. وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدٌ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الرَّجُلِ يُؤْخَذُ بِالرَّجُلِ، هَلْ تَرَى أَنْ يَحْلِفَ لِيَقِيَهُ بِيَمِينِهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ، ولان أحلف سبعين يمينا وَأَحْنَثَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَدُلَّ عَلَى مُسْلِمٍ. وَقَالَ إِدْرِيسُ بْنُ يَحْيَى كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَأْمُرُ جَوَاسِيسَ يَتَجَسَّسُونَ الْخَلْقَ يَأْتُونَهُ بِالْأَخْبَارِ، قَالَ: فَجَلَسَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي حَلْقَةِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ فَسَمِعَ بَعْضَهُمْ يَقَعُ فِي الْوَلِيدِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَجَاءُ! أُذْكَرْ بِالسُّوءِ فِي مَجْلِسِكَ وَلَمْ تُغَيِّرْ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: قُلْ آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِالْجَاسُوسِ فَضَرَبَهُ سَبْعِينَ سَوْطًا، فَكَانَ يَلْقَى رَجَاءً فَيَقُولُ: يَا رَجَاءُ، بِكَ يُسْتَقَى الْمَطَرُ، وَسَبْعُونَ سَوْطًا فِي ظَهْرِي! فَيَقُولُ رَجَاءٌ: سَبْعُونَ سَوْطًا فِي ظَهْرِكَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ- وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ الْإِكْرَاهِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الرَّجُلُ آمَنٌ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أَخَفْتَهُ أَوْ أَوْثَقْتَهُ أَوْ ضَرَبْتَهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا كَلَامٌ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ إِلَّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى