Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 15:43-44
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
شَفَوْا غَيْظَهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ، وَجُزْءٌ صَيَّرُوا رَغْبَتَهُمْ بِحَظِّهِمْ مِنَ اللَّهِ، وَجُزْءٌ عَتَوْا عَلَى اللَّهِ". ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ (مِنْهَاجِ الدِّينِ) لَهُ، وَقَالَ: فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَالْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ هُمُ الثَّنَوِيَّةُ . وَالشَّاكُّونَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَدْرُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهًا أَوْ لَا إِلَهَ لَهُمْ، وَيَشُكُّونَ فِي شَرِيعَتِهِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ أَمْ لَا. وَالْغَافِلُونَ عَنِ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَهُ أَصْلًا وَلَا يُثْبِتُونَهُ، وَهُمُ الدَّهْرِيَّةُ. وَالْمُؤْثِرُونَ شَهَوَاتِهِمْ عَلَى اللَّهِ هُمُ الْمُنْهَمِكُونَ فِي الْمَعَاصِي، لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَالشَّافُونَ غَيْظَهُمْ بِغَضَبِ اللَّهِ هُمُ الْقَاتِلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَسَائِرَ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، الْمُعَذِّبُونَ مَنْ يَنْصَحُ لَهُمْ أَوْ يَذْهَبُ غَيْرَ مَذْهَبِهِمْ، وَالْمُصَيِّرُونَ رَغْبَتَهُمْ بِحَظِّهِمْ مِنَ اللَّهِ هُمُ الْمُنْكِرُونَ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، فَهُمْ يَعْبُدُونَ مَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، لَهُمْ جَمِيعُ حَظِّهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَاتُونَ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ، بِأَنْ يَكُونَ مَا هُمْ فِيهِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَلَا يَتَفَكَّرُونَ وَلَا يَعْتَبِرُونَ وَلَا يَسْتَدِلُّونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولُهُ ﷺ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ. وَيُرْوَى أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ "وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ" فَرَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الخوف لا يعقل، فجئ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُنْزِلَتْ هذه الآية "وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ"؟ فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ قَطَّعَتْ قَلْبِيَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ". وَقَالَ بِلَالٌ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهُ، فَمَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ أَعْرَابِيَّةٌ فَصَلَّتْ خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةُ "لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ" فَخَرَّتِ الْأَعْرَابِيَّةُ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَجْبَتَهَا فانصرف ودعا بماء فصب على وجهها حَتَّى أَفَاقَتْ وَجَلَسَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا هَذِهِ مَالَكِ"؟ فَقَالَتْ: أَهَذَا شي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، أَوْ تَقُولُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: "يَا أَعْرَابِيَّةُ، بَلْ هُوَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلِ" فَقَالَتْ: كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي يُعَذَّبُ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا؟ قَالَ: "يَا أَعْرَابِيَّةُ، بَلْ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ يُعَذَّبُ أَهْلُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ" فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ مِسْكِينَةٌ، مَا لِي مَالٌ، وَمَا لِي إِلَّا سَبْعَةُ أَعْبُدٍ، أُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ مِنْهُمْ