Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 12:68-70
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ أَيْ نَادَى مناد وأعلم. و "أَذَّنَ" لِلتَّكْثِيرِ، فَكَأَنَّهُ نَادَى مِرَارًا "أَيَّتُهَا الْعِيرُ". وَالْعِيرُ مَا امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيرِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ عِيرُهُمْ حَمِيرًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعِيرُ الْإِبِلُ الْمَرْحُولَةُ الْمَرْكُوبَةُ، وَالْمَعْنَى: يَا أصحاب العير، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وَيَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي: أَيْ يَا أَصْحَابَ خَيْلِ اللَّهِ، وَسَيَأْتِي. وَهُنَا اعْتِرَاضَانِ: الْأَوَّلُ- إِنْ قِيلَ: كَيْفَ رَضِيَ بِنْيَامِينُ بِالْقُعُودِ طَوْعًا وَفِيهِ عُقُوقُ الْأَبِ بِزِيَادَةِ الْحُزْنِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ يُوسُفُ؟ وَكَيْفَ نَسَبَ يُوسُفُ السَّرِقَةَ إِلَى إِخْوَتِهِ وهم براء وهوالثاني- فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْحُزْنَ كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَى يَعْقُوبَ بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَقْدُ بِنْيَامِينَ كُلَّ التَّأْثِيرِ، أَوَلَا تَرَاهُ لَمَّا فقده قال: ﴿يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٤] وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى بِنْيَامِينَ، وَلَعَلَّ يُوسُفَ إِنَّمَا وَافَقَهُ عَلَى الْقُعُودِ بِوَحْيٍ، فَلَا اعْتِرَاضَ. وأما نسبة يُوسُفَ السَّرِقَةَ إِلَى إِخْوَتِهِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ فَأَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَاسْتَحَقُّوا هَذَا الِاسْمَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، فَصَدَقَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. جَوَابٌ آخَرُ- وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ أَيَّتُهَا الْعِيرُ حَالُكُمْ حَالُ السُّرَّاقِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ شَيْئًا لِغَيْرِكُمْ صَارَ عِنْدَكُمْ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمَلِكِ وَلَا عِلْمِهِ. جَوَابٌ آخَرُ- وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِيلَةً لِاجْتِمَاعِ شَمْلِهِ بِأَخِيهِ، وَفَصْلِهِ عَنْهُمْ إِلَيْهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ بِنْيَامِينَ لَمْ يَعْلَمْ بِدَسِّ الصَّاعِ فِي رَحْلِهِ، وَلَا أَخْبَرَهُ بِنَفْسِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إن معنى الكلام الاستفهام، أي أو إنكم لسارقون؟ كقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي أو تلك نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ؟ وَالْغَرَضُ أَلَّا يُعْزَى إِلَى يوسف ﷺ الكذب.