Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 12:30-32
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
النِّدُّ وَالنَّدِيدُ وَالنَّدِيدَةُ الْمِثْلُ وَالنَّظِيرُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّهَا لُغَةُ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الرَّفْعَ أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا غَلَطٌ، كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلُغَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقْوَى وَأَوْلَى. قُلْتُ: وَفِي مُصْحَفِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "مَا هَذَا بِبَشَرٍ" ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَذَكَرَتِ النِّسْوَةُ أَنَّ [صُورَةَ] يُوسُفَ أَحْسَنُ، مِنْ صُورَةِ الْبَشَرِ، بَلْ هُوَ فِي صُورَةِ مَلَكٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " [التين: ٤] وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُنَّ: "حاشَ لِلَّهِ" تَبْرِئَةٌ لِيُوسُفَ عَمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ، أَيْ بَعُدَ يُوسُفُ عَنْ هَذَا، وَقَوْلُهُنَّ: "لِلَّهِ" أَيْ لِخَوْفِهِ، أَيْ بَرَاءَةٌ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، أَيْ قَدْ نَجَا يُوسُفُ مِنْ ذلك، فليس هذا من الصورة في شي، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ فِي التَّبْرِئَةِ عَنِ الْمَعَاصِي كَالْمَلَائِكَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَنَاقُضَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْبَشَرِ فِي الصُّورَةِ، لِفَرْطِ جَمَالِهِ. وَقَوْلُهُ: "لِلَّهِ" تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَتِ النِّسْوَةُ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُنَّ أَنَّ صورة الملك أحسن، وما بلغهن قوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] فَإِنَّهُ مِنْ كِتَابِنَا. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الضَّعَفَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ كَانَ ظَنًّا بَاطِلًا مِنْهُنَّ لَوَجَبَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِنَّ، وَيُبَيِّنَ كَذِبَهُنَّ، وَهَذَا بَاطِلٌ، إِذْ لَا وُجُوبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ كُلَّ مَا يُخْبِرُ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ كُفْرِ الْكَافِرِينَ وَكَذِبِ الْكَاذِبِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُنَ بِهِ الرَّدَّ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا أَهْلُ الْعُرْفِ قَدْ يَقُولُونَ فِي الْقَبِيحِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ، وَفِي الْحُسْنِ كَأَنَّهُ مَلَكٌ، أَيْ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ، فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى ظَنٍّ فِي أَنَّ صُورَةَ الْمَلَكِ أَحْسَنُ، أَوْ عَلَى الْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ أَخْلَاقِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ التُّهَمِ.