Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 9:36
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
(فِي كِتابِ اللَّهِ) يُرِيدُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ. وَأَعَادَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ "عِنْدَ اللَّهِ" لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ يُوصَفُ بِأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ إِنَّمَا قَالَ "يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ" لِيُبَيِّنَ أَنَّ قَضَاءَهُ وَقَدَرَهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَضَعَ هَذِهِ الشُّهُورَ وَسَمَّاهَا بِأَسْمَائِهَا عَلَى ما رتبها عليه يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ، وَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً". وَحُكْمُهَا باق عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُزِلْهَا عَنْ تَرْتِيبِهَا تَغْيِيرُ الْمُشْرِكِينَ لِأَسْمَائِهَا، وَتَقْدِيمُ الْمُقَدَّمِ فِي الِاسْمِ مِنْهَا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ فِيهَا وَرَفْضُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَأْخِيرِ أَسْمَاءِ الشُّهُورِ وَتَقْدِيمِهَا، وَتَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي رَتَّبُوهَا عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالْأَرْضَ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَأَنَّ الَّذِي فَعَلَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ جَعْلِ الْمُحَرَّمِ صَفَرًا وَصَفَرٍ مُحَرَّمًا لَيْسَ يَتَغَيَّرُ بِهِ مَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْعَامِلُ فِي "يَوْمِ" الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ "فِي كِتابِ اللَّهِ" وَلَيْسَ يَعْنِي بِهِ واحد الكتب، لان الا عيان لَا تَعْمَلُ فِي الظُّرُوفِ. وَالتَّقْدِيرُ: فِيمَا كَتَبَ الله يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ. وَ "عِنْدَ" مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْعِدَّةُ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهِ. وَ "فِي" مِنْ قَوْلِهِ: "فِي كِتابِ اللَّهِ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هُوَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "اثْنا عَشَرَ". وَالتَّقْدِيرُ: اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مَعْدُودَةٌ أَوْ مَكْتُوبَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ. ولا يجوز أن تتعلق بعدة لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِخَبَرِ إِنَّ. الثَّالِثَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَعْلِيقُ الْأَحْكَامِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ، دون الشهور التي تعتبر ها الْعَجَمُ وَالرُّومُ وَالْقِبْطُ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةُ الْأَعْدَادِ، مِنْهَا مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ وَمِنْهَا مَا يَنْقُصُ، وَشُهُورُ الْعَرَبِ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا يَنْقُصُ، وَالَّذِي يَنْقُصُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ لَهُ شَهْرٌ، وَإِنَّمَا تَفَاوُتُهَا فِي النُّقْصَانِ وَالتَّمَامِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ سَيْرِ الْقَمَرِ فِي الْبُرُوجِ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ