Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 9:5
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
(وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَأَمُّلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْقَتْلَ عَلَى الشِّرْكِ، ثُمَّ قَالَ: "فَإِنْ تابُوا". وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقَتْلَ مَتَى كَانَ الشرك يَزُولُ بِزَوَالِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي زَوَالَ الْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلِذَلِكَ سَقَطَ الْقَتْلُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. وَهَذَا بَيِّنٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ التَّوْبَةَ وَذَكَرَ مَعَهَا شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى إِلْغَائِهِمَا. نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماء هم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ مَا كَانَ أَفْقَهَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَانْتَظَمَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَاطَّرَدَا. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَسَائِرَ الْفَرَائِضِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَمَنْ تَرَكَ السُّنَنَ مُتَهَاوِنًا فَسَقَ، وَمَنْ تَرَكَ النَّوَافِلَ لَمْ يَحْرَجْ، إِلَّا أَنْ يَجْحَدَ فَضْلَهَا فَيَكْفُرُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَادًّا عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا جَاءَ بِهِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ جَحْدٍ لَهَا وَلَا اسْتِحْلَالٍ، فَرَوَى يونس ابن عبد الا على قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَمَكْحُولٍ وَوَكِيعٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْجَنُ وَيُضْرَبُ وَلَا يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَبِهِ يقول داود ابن عَلِيٍّ. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ قَوْلُهُ ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إله إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دماء هم وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا (. وَقَالُوا: حَقُّهَا الثَّلَاثُ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:) لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ أَوْ زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ (. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَبَى مِنْ أَدَائِهَا وَقَضَائِهَا وَقَالَ لَا أُصَلِّي فَإِنَّهُ كَافِرٌ، وَدَمُهُ وَمَالُهُ حَلَالَانِ، وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَحُكْمُ مَالِهِ كَحُكْمِ مَالِ