Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 5:106-108
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
أَرَادَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْكَ فَحَذَفَ، وَمِنْهُ قوله تعالى: "هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ" ] الكهف: ٧٨] أَيْ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: "(إِذا حَضَرَ) " مَعْنَاهُ إِذَا قَارَبَ الْحُضُورَ، وَإِلَّا فَإِذَا حَضَرَ الْمَوْتُ لَمْ يُشْهِدْ مَيِّتٌ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ" ] النحل: ٩٨]. وكقوله: "إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ" ] الطلاق: ١] وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَالْعَامِلُ فِي "إِذا" الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ "شَهادَةُ". الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ﴾ "حِينَ" ظَرْفُ زَمَانٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ "حَضَرَ" وَقَوْلُهُ: "اثْنانِ" يَقْتَضِي بِمُطْلَقِهِ شَخْصَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ رَجُلَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: "ذَوا عَدْلٍ" بَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ رَجُلَيْنِ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْمُذَكَّرِ، كَمَا أَنَّ "ذَوَاتَا" ] الرحمن: ٤٨] لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْمُؤَنَّثِ. وَارْتَفَعَ "اثْنانِ" عَلَى أنه خبر المبتدأ الذي هو "شَهادَةُ" قَالَ أَبُو عَلِيٍّ "شَهادَةُ" رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ: "اثْنانِ" التَّقْدِيرُ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ فِي وَصَايَاكُمْ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ" ] الأحزاب: ٦] أَيْ مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ "اثْنانِ" بِ"- شَهادَةُ"، التَّقْدِيرُ وَفِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَوْ لِيَكُنْ مِنْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ، أَوْ لِيُقِمِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ "ذَوا عَدْلٍ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "اثْنانِ" وَ "مِنْكُمْ" صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ. وَقَوْلُهُ: "أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ" أَيْ أَوْ شَهَادَةُ آخَرَيْنِ مِنْ غَيْرِكُمْ، فَمِنْ غَيْرِكُمْ صِفَةٌ لِآخَرَيْنِ. وَهَذَا الْفَصْلُ هُوَ الْمُشْكِلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ- أَنَّ الْكَافَ وَالْمِيمَ فِي قَوْلِهِ: "مِنْكُمْ" ضَمِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ "أَوْ- آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ" لِلْكَافِرِينَ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةً فِي السَّفَرِ إِذَا كَانَتْ وَصِيَّةً، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ، مَعَ مَا تَقَرَّرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ. وَهُوَ قَوْلُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَمَعْنَى الْآيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُوصِي إِذَا حَضَرَ الْمَوْتُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَةَ عَدْلَيْنِ فَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلْيُشْهِدْ شَاهِدَيْنِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَإِذَا قَدِمَا