Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 5:48
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يُوجِبُ الْحُكْمَ، فَقِيلَ: هَذَا نَسْخٌ لِلتَّخْيِيرِ فِي قَوْلِهِ: "فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ" وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا وُجُوبًا، وَالْمَعْنَى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ إِنْ شِئْتَ، إِذْ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَفِي أَهْلِ الذِّمَّةِ تَرَدُّدٌ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ. وَقِيلَ: أَرَادَ فَاحْكُمْ بَيْنَ الْخَلْقِ، فَهَذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي لَا تَعْمَلْ بِأَهْوَائِهِمْ وَمُرَادِهِمْ عَلَى مَا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، يَعْنِي لَا تَتْرُكِ الْحُكْمَ بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ بيان الحق وبيان الْأَحْكَامِ. وَالْأَهْوَاءُ جَمْعُ هَوًى، وَلَا يُجْمَعُ أَهْوِيَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْبَقَرَةِ" . فَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَتَّبِعَهُمْ فِيمَا يُرِيدُونَهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: تُقَوَّمُ الْخَمْرُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا لَهُمْ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى مُتْلِفِهَا، لِأَنَّ إِيجَابَ ضَمَانِهَا عَلَى مُتْلِفِهَا حُكْمٌ بِمُوجَبِ أَهْوَاءِ الْيَهُودِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَمَعْنَى (عَمَّا جاءَكَ) عَلَى مَا جَاءَكَ.