Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:79
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ مَا أَصَابَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ خِصْبٍ وَرَخَاءٍ وَصِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ فَبِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْكَ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ جَدْبٍ وَشِدَّةٍ فَبِذَنْبٍ أَتَيْتَهُ عُوقِبْتَ عَلَيْهِ. وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ أَيْ مَا أَصَابَكُمْ يا معشر الناس من خصب واتساع زرق فَمِنْ تَفَضُّلِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ جَدْبٍ وَضِيقِ رِزْقٍ فَمِنْ أَنْفُسِكُمْ، أَيْ مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِكُمْ وَقَعَ ذَلِكَ بِكُمْ. قَالَهُ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ). وَقَدْ قِيلَ: الْخِطَابُ لِلْإِنْسَانِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) أَيْ إِنَّ النَّاسَ لَفِي خُسْرٍ، أَلَا تَرَاهُ اسْتَثْنَى مِنْهُمْ فَقَالَ (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) وَلَا يُسْتَثْنَى إِلَّا مِنْ جُمْلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ (مَا أَصابَكَ) اسْتِئْنَافًا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا، وَالْمَعْنَى فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا حَتَّى يَقُولُوا مَا أَصَابَكَ مِنْ حسنة فمن الله. وفيل: إِنَّ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ مُضْمَرَةٌ، وَالْمَعْنَى أَفَمِنْ نَفْسِكَ؟ ومثله قوله وتعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ ) والمعنى أو تلك نِعْمَةٌ؟ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هَذَا رَبِّي ) أَيْ أَهَذَا رَبِّي؟ قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ: