cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:43

al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi

إِذَا لَمَسَ صَبِيَّةً صَغِيرَةً أَوْ عَجُوزًا كَبِيرَةً بِيَدِهِ أَوْ وَاحِدَةً مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، فَمَرَّةً قَالَ: يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) فَلَمْ يُفَرِّقْ. وَالثَّانِي لَا يُنْقَضُ، لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلشَّهْوَةِ فِيهِنَّ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) وَلَمْ يَقُلْ بِشَهْوَةٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَشْتَرِطُوا الشَّهْوَةَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ عَامَّةُ التَّابِعِينَ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: فَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ مُرَاعَاةِ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَهُمَا. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي النَّظَرِ، لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ لَامِسٍ لِامْرَأَتِهِ، وَغَيْرُ مُمَاسٍّ لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ، إِنَّمَا هُوَ لَامِسٌ لِثَوْبِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ تَلَذَّذَ وَاشْتَهَى أَنْ يَلْمِسَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمَسَ فَوْقَ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَاسٍّ لِلْمَرْأَةِ. قُلْتُ: أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ إِلَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ كُلُّهُمْ قَالُوا: إِذَا لَمَسَ فَالْتَذَّ وَجَبَ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ فَلَا وُضُوءَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي النَّظَرِ) فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا ثَانِيًا، [قَالَتْ ] وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ الْمُلَامِسَ، وَأَنَّهُ غَمَزَ رِجْلَيْ عَائِشَةَ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ قَوْلِهِ: (أَوْ لامَسْتُمُ) فَكَانَ وَاجِبًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ انْتِقَاضُ وُضُوءِ كُلِّ مُلَامِسٍ كَيْفَ لَامَسَ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ الَّتِي هِيَ الْبَيَانُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْوُضُوءَ عَلَى بَعْضِ الْمُلَامِسِينَ دُونَ بَعْضٍ، وهو من لم يلتذ ولم يقصد.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.