Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:43
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
شَرْطِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ الَّذِي مَنَعَهُ جُمْلَةً مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَقَالَ: إِنَّمَا شَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا (فَلَمْ يُبِحِ التَّيَمُّمَ لِأَحَدٍ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَوْلَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَا رُوِيَ مِنَ الْأَثَرِ لَكَانَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ صَحِيحًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّيَمُّمَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُسَافِرٌ إِذْ خَافَ الْهَلَاكَ إِنِ اغْتَسَلَ بِالْمَاءِ، فَالْمَرِيضُ أَحْرَى بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ إِذَا خَافَ فَوَاتَ الصَّلَاةِ إِنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَاءِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) يَعْنِي الْمُقِيمَ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ تَيَمَّمَ. نَصَّ عَلَيْهِ الْقُشَيْرِيُّ عَبْدُ الرَّحِيمِ قَالَ: ثُمَّ يُقْطَعُ النَّظَرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ عُذْرٌ نَادِرٌ وَفِي الْقَضَاءِ قَوْلَانِ: قُلْتُ: وَهَكَذَا نَصَّ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ، فَهَلْ يُعِيدُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَمْ لَا، الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. يُعِيدُ أَبَدًا، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ الْوَلِيدُ عَنْهُ: يَغْتَسِلُ وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ (بِئْرِ جَمَلٍ ) فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ (بِئْرٍ ). وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ (ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ:) إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ- قوله تعالى: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) الْغَائِطُ أَصْلُهُ مَا انْخَفَضَ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْجَمْعُ الْغِيطَانُ أَوِ الْأَغْوَاطُ، وَبِهِ سُمِّيَ غُوطَةَ دِمَشْقَ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقْصِدُ هَذَا الصِّنْفَ مِنَ الْمَوَاضِعِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا تَسَتُّرًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، ثُمَّ سُمِّيَ الْحَدَثُ الْخَارِجُ مِنَ الْإِنْسَانِ غَائِطًا لِلْمُقَارَنَةِ . وَغَاطَ فِي الْأَرْضِ يَغُوطُ إِذَا غَابَ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: (مِنَ الْغَيْطِ) فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ الْغَيْطُ فَخُفِّفَ، كَهَيِّنٍ وَمَيِّتٍ وَشَبَهِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغَوْطِ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِمْ تَغَوَّطَ إِذَا أَتَى الْغَائِطَ، فَقُلِبَتْ وَاوُ الْغَوْطِ يَاءً، كَمَا قَالُوا في لا حول لا حيل.