Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:43
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
عَنْهُ. وَرَوَاهُ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُجْنِبَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنَا وَعَلِيٌّ). قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، لِأَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا كَانَ بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتَانِ لَمْ يَكُونَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَكِنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ بِالْمَسْجِدِ وَأَبْوَابُهُمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَجَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ) الْحَدِيثَ. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْتَ عَلِيٍّ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبِي عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَيُّهُمَا كَانَ خَيْرًا؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَذَا بَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! وَأَشَارَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَلَمْ يَكُونَا يُجْنِبَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا كَانَا يُجْنِبَانِ فِي بُيُوتِهِمَا، وَبُيُوتُهُمَا مِنَ الْمَسْجِدِ إِذْ كَانَ أَبْوَابُهُمَا فِيهِ، فَكَانَا يَسْتَطْرِقَانِهِ فِي حَالِ الْجَنَابَةِ إذا خرجا من بيوتهما. ويجوز أن يَكُونَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُمَا، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِأَشْيَاءَ، فَيَكُونُ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَخَّصَ لَهُ فِي مَا لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ لِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَتْ أَبْوَابُ بُيُوتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَبْوَابُ بُيُوتٍ غَيْرُ بَيْتَيْهِمَا، حَتَّى أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَدِّهَا إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سُدُّوا الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ) فَخَصَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ تُرِكَ بَابُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُجْنِبُ فِي بَيْتِهِ وَبَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (لَا تَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ) فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَتْ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَبْوَابًا تَطْلُعُ إِلَى الْمَسْجِدِ خَوْخَاتٍ، وَأَبْوَابُ الْبُيُوتِ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَدِّ تِلْكَ الْخَوْخَاتِ وَتَرْكِ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ إِكْرَامًا لَهُ. وَالْخَوْخَاتُ كَالْكُوَى وَالْمَشَاكِي، وَبَابُ عَلِيٍّ كَانَ بَابَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ مِنْهُ وَيَخْرُجُ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمَا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ فَيَتَوَضَّئُونَ وَيَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ جَائِزٌ إِذَا تَوَضَّأَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ كَمَا ذَكَرْنَا.