Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:34
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ يَقُومُونَ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ وَالذَّبِّ عَنْهُنَّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيهِمُ الْحُكَّامَ وَالْأُمَرَاءَ وَمَنْ يَغْزُو، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ. يُقَالُ: قِوَامٌ وَقِيَمٌ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ نَشَزَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ زيد ابن خَارِجَةَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ فَلَطَمَهَا، فَقَالَ أَبُوهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا! فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لِتَقْتَصَّ مِنْ زَوْجِهَا). فَانْصَرَفَتْ مَعَ أَبِيهَا لِتَقْتَصَّ مِنْهُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (ارْجِعُوا هَذَا جِبْرِيلُ أَتَانِي) فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (أَرَدْتُ شَيْئًا وَمَا أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ). وَنَقَضَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْمَرْدُودِ نَزَلَ (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ). ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ وَعَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ- وَاللَّفْظُ. لِحَجَّاجٍ- قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: إِنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي لَطَمَ وَجْهِي. فَقَالَ: (بَيْنَكُمَا الْقِصَاصُ)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ). وَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ حتى نزل: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ). وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيٍّ وَفِي زَوْجِهَا ثابت ابن قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَمِيرَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَفِي زَوْجِهَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَقِيلَ: سَبَبُهَا قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمُ. وَوَجْهُ النَّظْمِ أَنَّهُنَّ تَكَلَّمْنَ فِي تَفْضِيلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْإِرْثِ، فَنَزَلَتْ (وَلا تَتَمَنَّوْا) الْآيَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ تَفْضِيلَهُمْ عَلَيْهِنَّ فِي الْإِرْثِ لِمَا عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الْمَهْرِ وَالْإِنْفَاقِ، ثُمَّ فَائِدَةُ تَفْضِيلِهِمْ عَائِدَةٌ إِلَيْهِنَّ. وَيُقَالُ: إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ فَضِيلَةٌ فِي زِيَادَةِ الْعَقْلِ وَالتَّدْبِيرِ، فَجُعِلَ لَهُمْ حَقُّ الْقِيَامِ عَلَيْهِنَّ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: لِلرِّجَالِ زِيَادَةُ قُوَّةٍ فِي النَّفْسِ وَالطَّبْعِ مَا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ، لِأَنَّ طَبْعَ الرِّجَالِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَرَارَةُ وَالْيُبُوسَةُ، فَيَكُونُ فِيهِ قُوَّةٌ وَشِدَّةٌ، وَطَبْعَ النِّسَاءِ غَلَبَ عَلَيْهِ الرُّطُوبَةُ وَالْبُرُودَةُ، فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى اللِّينِ وَالضَّعْفِ، فَجَعَلَ لَهُمْ حَقَّ الْقِيَامِ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ). الثَّانِيةُ- وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَأْدِيبِ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ،