Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:23
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
امْرَأَةً بِزِنًى لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ إِذَا زَنَى بِأُمِّهَا أَوْ بِابْنَتِهَا، وَحَسْبُهُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ. وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُمِّهَا أَوِ ابْنَتِهَا لَمْ تَحْرُمَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ. رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنَّ الزِّنَى يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَالِابْنَةَ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَلَالِ، وَهُوَ قول أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ: أَنَّ الزِّنَى لَا حُكْمَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) وَلَيْسَتِ الَّتِي زَنَى بِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَلَا ابْنَتُهَا مِنْ رَبَائِبِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ. لِأَنَّهُ لَمَّا ارْتَفَعَ الصَّدَاقُ فِي الزِّنَى ووجوب العدة والميراث ولحقوق الْوَلَدِ وَوُجُوبُ الْحَدِّ ارْتَفَعَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ النِّكَاحِ الْجَائِزِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَوِ ابْنَتَهَا فَقَالَ: (لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ إِنَّمَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ). وَمِنَ الْحُجَّةِ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ إِخْبَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جُرَيْجٍ وَقَوْلُهُ: (يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ) قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزنى يحرم كما يحرم الوطي الْحَلَالُ، فَلَا تَحِلُّ أُمُّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَلَا بَنَاتُهَا لِآبَاءِ الزَّانِي وَلَا لِأَوْلَادِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَخْلُوقَةَ مِنْ مَاءِ الزِّنَى لَا تَحِلُّ لِلزَّانِي بِأُمِّهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا) وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ كَشَفَ قِنَاعَ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا). قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّ الْقُبْلَةَ وَسَائِرَ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ: إِنَّهَا تَحِلُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) يَعْنِي بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي (الْفُرْقَانِ ) بَيَانُهُ. وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَكَى عَنْ جُرَيْجٍ أَنَّهُ نَسَبَ ابْنَ الزِّنَى لِلزَّانِي، وَصَدَّقَ اللَّهُ نِسْبَتَهُ بِمَا خَرَقَ لَهُ مِنَ الْعَادَةِ فِي نُطْقِ الصَّبِيِّ بِالشَّهَادَةِ لَهُ