Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:19
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
جَعَلَ الْحَبِيبَ جَمْعًا كَالْخَلِيطِ وَالْغَرِيقِ. وَعَاشَرَهُ مُعَاشَرَةً، وَتَعَاشَرَ الْقَوْمُ وَاعْتَشَرُوا. فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِحُسْنِ صُحْبَةِ النِّسَاءِ إِذَا عَقَدُوا عَلَيْهِنَّ لِتَكُونَ أَدَمَةُ مَا بَيْنَهُمْ وَصُحْبَتُهُمْ عَلَى الْكَمَالِ، فَإِنَّهُ أَهْدَأُ لِلنَّفْسِ وَأَهْنَأُ لِلْعَيْشِ. وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أن يتصنع لها كما تتصنع له. وقال يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَنْظَلِيُّ: أَتَيْتُ مُحَمَّدَ ابن الْحَنَفِيَّةِ فَخَرَجَ إِلَيَّ فِي مِلْحَفَةٍ حَمْرَاءَ وَلِحْيَتُهُ تَقْطُرُ مِنَ الْغَالِيَةِ ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْمِلْحَفَةَ أَلْقَتْهَا عَلَيَّ امْرَأَتِي وَدَهَنَتْنِي بالطيب، وإنهن يشتهين مناما نَشْتَهِيهِ مِنْهُنَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِامْرَأَتِي كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ [الْمَرْأَةُ ] لِي. وَهَذَا دَاخِلٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَإِلَى مَعْنَى الْآيَةِ يُنْظَرُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ) أَيْ لَا يَكُنْ مِنْكَ سُوءُ عِشْرَةٍ مَعَ اعْوِجَاجِهَا، فَعَنْهَا تَنْشَأُ الْمُخَالَفَةُ وَبِهَا يَقَعُ الشِّقَاقُ، وَهُوَ سَبَبُ الْخُلْعِ. السَّابِعَةُ- اسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ لَا يَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهَا قَدْرَ كِفَايَتِهَا، كَابْنَةِ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ وَشَبَهِهِمَا مِمَّنْ لَا يَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ المعاشرة بالمعروف. وقال الشافعي وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ يَكْفِيهَا خِدْمَةَ نَفْسِهَا، وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ امْرَأَةٌ إِلَّا وَخَادِمٌ وَاحِدٌ يَكْفِيهَا، وَهَذَا كَالْمُقَاتِلِ تَكُونُ لَهُ أَفْرَاسٌ عِدَّةٌ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ إِلَّا عَلَى فَرَسٍ [وَاحِدٍ ]. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ مِثْلَ بَنَاتِ الْمُلُوكِ اللَّاتِي لَهُنَّ خِدْمَةٌ كَثِيرَةٌ لَا يَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهَا تحتاج من غسل ثيابها وإصلاح مَضْجَعِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى مَا لَا يَقُومُ بِهِ الْوَاحِدُ، وَهَذَا بَيِّنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أَيْ لِدَمَامَةٍ أَوْ سُوءِ خُلُقٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ فَاحِشَةٍ أَوْ نُشُوزٍ، فَهَذَا يُنْدَبُ فِيهِ إِلَى الِاحْتِمَالِ، فَعَسَى أن يول الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ مِنْهَا أَوْلَادًا صالحين. و (أَنْ) رَفْعٌ بِ (عَسَى) وَأَنْ وَالْفِعْلُ مَصْدَرٌ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) أَوْ قَالَ (غَيْرُهُ). الْمَعْنَى: أَيْ لَا يُبْغِضْهَا بُغْضًا كُلِّيًّا يَحْمِلُهُ عَلَى فِرَاقِهَا