Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:4
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُمَيَّزِ إِذَا كَانَ الْعَامِلُ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ كَعِشْرِينَ دِرْهَمًا. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوهُ﴾ لَيْسَ الْمَقْصُودُ صُورَةَ الْأَكْلِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِبَاحَةُ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً). وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ الْأَكْلِ، إِلَّا أَنَّ الْأَكْلَ لما كان أو في أَنْوَاعِ التَّمَتُّعِ بِالْمَالِ عُبِّرَ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ بِالْأَكْلِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) يُعْلَمُ أَنَّ صُورَةَ الْبَيْعِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مَا يُشْتَغَلُ بِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى (هَنِيئاً مَرِيئاً) منصوب على الحال من الهاء في (فَكُلُوهُ) وَقِيلَ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ أَكْلًا هَنِيئًا بطيب الأنفس. هنأه الطعام والشراب يهنئه، وَمَا كَانَ هَنِيئًا، وَلَقَدْ هَنُؤَ، وَالْمَصْدَرُ الْهَنْءُ. وَكُلُّ مَا لَمْ يَأْتِ بِمَشَقَّةٍ وَلَا عَنَاءٍ فهو هنئ. وهني اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ هَنُؤَ كَظَرِيفٍ مِنْ ظَرُفَ. وهني يَهْنَأُ فَهُوَ هَنِئٌ عَلَى فَعِلَ كَزَمِنٍ. وَهَنَّأَنِي الطَّعَامُ وَمَرَّأَنِي عَلَى الْإِتْبَاعِ، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ (هَنَّأَنِي) قُلْتُ: أَمْرَأَنِي الطَّعَامُ بِالْأَلِفِ، أَيِ انْهَضَمَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ (ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ). فَقَلَبُوا الْوَاوَ مِنْ (مَوْزُورَاتٍ) أَلِفًا إِتْبَاعًا لِلَفْظِ مَأْجُورَاتٍ. وَقَالَ أبو العباس عن ابن الاعرابي: يقال هنئ وَهَنَّأَنِي وَمَرَّأَنِي وَأَمْرَأَنِي وَلَا يُقَالُ مَرِئَنِي، حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ. وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ: هَنِئَنِي وَمَرِئَنِي بِالْكَسْرِ يَهْنَأُنِي وَيَمْرَأُنِي، وَهُوَ قَلِيلٌ. وَقِيلَ: (هَنِيئاً) لا إثم فيه، و (مَرِيئاً) لَا دَاءَ فِيهِ. قَالَ كُثَيِّرٌ: