Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 4:3
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ: فَذَهَبَتْ أُمُّهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي تَكْرَهُ ذَلِكَ. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفَارِقَهَا فَفَارَقَهَا. وَقَالَ: (وَلَا تَنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ فَإِذَا سَكَتْنَ فَهُوَ إِذْنُهَا). فتزوجها بعد عبد الله الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. فَهَذَا يَرُدُّ مَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى وَلِيٍّ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ ) ذِكْرُهُ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغَةِ لِقَوْلِهِ (إِلَّا بِإِذْنِهَا) فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكُونُ لِذِكْرِ الْيَتِيمِ مَعْنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ- وَفِي تَفْسِيرِ عَائِشَةَ لِلْآيَةِ مِنَ الْفِقْهِ مَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَالرَّدُّ إِلَيْهِ فِيمَا فَسَدَ مِنَ الصَّدَاقِ وَوَقَعَ الْغَبْنُ فِي مِقْدَارِهِ، لِقَوْلِهَا: بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا. فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُ الْمِثْلِ مَعْرُوفًا لِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ أَحْوَالِهِمْ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لِلنَّاسِ مَنَاكِحُ عُرِفَتْ لَهُمْ وَعُرِفُوا لَهَا أَيْ صدقات وأكفاء. وسيل مالك عن رجل زوج ابنته [غنية ] مِنَ ابْنِ أَخٍ لَهُ فَقِيرٍ فَاعْتَرَضَتْ أُمُّهَا فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ مُتَكَلَّمًا. فَسَوَّغَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْكَلَامَ حَتَّى يَظْهَرَ هُوَ مِنْ نَظَرِهِ مَا يُسْقِطُ اعْتِرَاضَ الْأُمِّ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ (لَا أَرَى) بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَجَائِزٌ لِغَيْرِ الْيَتِيمَةِ أَنْ تُنْكَحَ بِأَدْنَى مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا، لِأَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا خَرَجَتْ فِي الْيَتَامَى. هَذَا مَفْهُومُهَا وَغَيْرُ الْيَتِيمَةِ بِخِلَافِهَا. الْخَامِسَةُ- فَإِذَا بَلَغَتِ الْيَتِيمَةُ وَأَقْسَطَ الْوَلِيُّ فِي صَدَاقِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكُونُ هُوَ النَّاكِحُ وَالْمُنْكِحُ عَلَى مَا فَسَّرَتْهُ عَائِشَةُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَهُ مِنَ التَّابِعِينَ الْحَسَنُ وَرَبِيعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الليث. وقال زفر والشافعي: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، أَوْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ وَلِيٌّ لَهَا هُوَ أَقْعَدُ بِهَا مِنْهُ، أَوْ مِثْلُهُ فِي الْقَعْدُدِ، وَأَمَّا أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ نَاكِحًا مُنْكِحًا فَلَا. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوِلَايَةَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ). فَتَعْدِيدُ النَّاكِحِ وَالْمُنْكِحِ وَالشُّهُودِ وَاجِبٌ، فَإِذَا اتَّحَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ سَقَطَ وَاحِدٌ مِنَ الْمَذْكُورِينَ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَهَا إِلَى رَجُلٍ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ. رُوِيَ هَذَا عَنِ الْمُغِيرَةِ