Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:283
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَالَ ثَعْلَبٌ: الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ عَلَى أَرْهَنْتُهُمْ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَهَنْتُهُ وَأَرْهَنْتُهُ، إِلَّا الْأَصْمَعِيَّ فَإِنَّهُ رَوَاهُ وَأَرْهَنَهُمْ، عَلَى أَنَّهُ عَطْفٌ بِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلَى فِعْلٍ مَاضٍ، وَشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِمْ: قُمْتُ وَأَصُكُّ وَجْهَهُ، وَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ، لِأَنَّ الْوَاوَ وَاوُ الْحَالِ، فَجَعَلَ أَصُكَّ حَالًا لِلْفِعْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَى قُمْتُ صَاكًّا وَجْهَهُ، أَيْ تَرَكْتُهُ مُقِيمًا عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: أَرْهَنْتُ الشَّيْءَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: رَهَنْتُهُ. وَتَقُولُ: رَهَنْتُ لِسَانِي بِكَذَا، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: أَرْهَنْتُ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَرْهَنْتُ فِيهَا بِمَعْنَى أَسْلَفْتُ. وَالْمُرْتَهِنُ: الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ. وَالشَّيْءُ مَرْهُونٌ وَرَهِينٌ، وَالْأُنْثَى رَهِينَةٌ. وَرَاهَنْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا مُرَاهَنَةً: خَاطَرْتُهُ. وَأَرْهَنْتُ بِهِ وَلَدِي إِرْهَانًا: أَخْطَرْتُهُمْ بِهِ خَطَرًا. وَالرَّهِينَةُ وَاحِدَةُ الرَّهَائِنِ، كُلُّهُ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ. ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُقَالُ بِلَا خِلَافٍ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ: رَهَنْتُ رَهْنًا، ثُمَّ سُمِّيَ بِهَذَا الْمَصْدَرِ الشَّيْءُ الْمَدْفُوعُ تَقُولُ: رَهَنْتُ رَهْنًا، كَمَا تَقُولُ رَهَنْتُ ثَوْبًا. السَّادِسَةُ- قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَمَّا كَانَ الرَّهْنُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ، وَالدَّوَامِ فَمِنْ ثَمَّ بَطَلَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِذَا خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ إِلَى الرَّاهِنِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، لِأَنَّهُ فَارَقَ مَا جُعِلَ [بِاخْتِيَارِ الْمُرْتَهِنِ ] لَهُ. قُلْتُ- هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا فِي أَنَّ الرَّهْنَ مَتَى رَجَعَ إِلَى الرَّاهِنِ بِاخْتِيَارِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ رَجَعَ بِعَارِيَةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ لَمْ يَبْطُلْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ رُجُوعَهُ إِلَى يَدِ الرَّاهِنِ مُطْلَقًا لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْقَبْضِ الْمُتَقَدِّمِ، وَدَلِيلُنَا "فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ"، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ يَدِ الْقَابِضِ لَمْ يَصْدُقْ ذَلِكَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لُغَةً، فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حُكْمًا، وَهَذَا وَاضِحٌ. السَّابِعَةُ- إِذَا رَهَنَهُ قَوْلًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فِعْلًا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ، حُكْمًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ" قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ الْحُكْمَ إِلَّا بِرَهْنٍ مَوْصُوفٍ بِالْقَبْضِ، فَإِذَا عُدِمَتِ الصِّفَةُ وَجَبَ أَنْ يُعْدَمَ الْحُكْمُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا. وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ بِالْعَقْدِ وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى دَفْعِ الرَّهْنِ لِيَحُوزَهُ الْمُرْتَهِنُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ "وَهَذَا عَقْدٌ، وَقَوْلُهُ" بِالْعَهْدِ "وَهَذَا عَهْدٌ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" وَهَذَا شَرْطٌ، فَالْقَبْضُ عِنْدَنَا شَرْطٌ فِي كَمَالِ فَائِدَتِهِ. وَعِنْدَهُمَا شَرْطٌ فِي لُزُومِهِ وَصِحَّتِهِ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ يَقْتَضِي بَيْنُونَةَ