Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:282
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
أَيِ اسْتَضْعَفَهَا وَاسْتَلَانَهَا فَحَرَّكَهَا. وَقَدْ قَالُوا: الضُّعْفُ بِضَمِّ الضَّادِ فِي الْبَدَنِ وَبِفَتْحِهَا فِي الرَّأْيِ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَبْتَاعُ وَفِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ فَأَتَى أَهْلُهُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، احْجُرْ عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَبْتَاعُ وَفِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ. فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَهَاهُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ سَاعَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" إِنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ الْبَيْعَ فَقُلْ هَا وَهَا وَلَا خِلَابَةَ ". وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى السُّلَمِيُّ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، وَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عَقْلِهِ ضَعْفٌ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَقَالَ فِيهِ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَأَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ". وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ يَحْيَى وَوَاسِعِ ابْنَيْ حَبَّانَ: وَقِيلَ: وَهُوَ مُنْقِذٌ جَدِّ يَحْيَى وَوَاسِعٍ شَيْخَيْ مَالِكٍ وَوَالِدُهُ حَبَّانُ، أَتَى عَلَيْهِ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ شُجَّ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَأْمُومَةً خُبِلَ مِنْهَا عَقْلُهُ وَلِسَانُهُ: وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: كَانَ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ رَجُلًا ضَعِيفًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ وَكَانَ قَدْ سُفِعَ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةً، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ الْخِيَارَ فِيمَا يَشْتَرِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ قَدْ ثَقُلَ لِسَانُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بع وقل لا خلابة" فكنت أَسْمَعُهُ يَقُولُ: لَا خِذَابَةَ لَا خِذَابَةَ. أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو. الْخِلَابَةُ: الْخَدِيعَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ:" إِذَا لَمْ تَغْلِبْ فَاخْلُبْ ". الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ- اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ لِقِلَّةِ خبرته وضعف عقله فهل يحجر عليه أولا، بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ. وَالْقَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: "يَا نَبِيَّ اللَّهِ احْجُرْ عَلَى فُلَانٍ". وَإِنَّمَا تَرَكَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: "يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ". فَأَبَاحَ لَهُ الْبَيْعَ وَجَعَلَهُ خَاصًّا بِهِ، لِأَنَّ مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِخَبَلِ عَقْلِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ: هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ وَنَازَعَتْهُ عَقْلَهُ، وَكَانَ لَا يَدَعُ