Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:282
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: دَلَّ قَوْلُ اللَّهِ "إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" عَلَى أَنَّ السَّلَمَ إِلَى الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَدَلَّتْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِثْلِ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَسْتَلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ. وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ: أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نُتِجَتْ. فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ الْجَائِزَ أَنْ يُسْلِمَ الرَّجُلُ إِلَى صَاحِبِهِ فِي طَعَامٍ مَعْلُومٍ مَوْصُوفٍ، مِنْ طَعَامِ أَرْضٍ عَامَّةٍ لَا يُخْطِئُ مِثْلُهَا. بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، يدفع ممن مَا أَسْلَمَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ، وَسَمَّيَا الْمَكَانَ الَّذِي يُقْبَضُ فِيهِ الطَّعَامُ. فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ وَكَانَ جَائِزَ الْأَمْرِ كَانَ سَلَمًا صَحِيحًا لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُبْطِلُهُ. قُلْتُ: وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ السَّلَمَ إِلَى الْحَصَادِ وَالْجَذَاذِ وَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ جَائِزٌ، إِذْ ذَاكَ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ وَزَمَنٍ مَعْلُومٍ. الرَّابِعَةُ- حَدَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ السَّلَمَ فَقَالُوا: هُوَ بَيْعٌ مَعْلُومٌ فِي الذِّمَّةِ مَحْصُورٌ بِالصِّفَةِ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. فَتَقْيِيدُهُ بِمَعْلُومٍ فِي الذِّمَّةِ يُفِيدُ التَّحَرُّزَ مِنَ الْمَجْهُولِ، وَمِنَ السَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ، مِثْلُ الَّذِي كَانُوا يَسْتَلِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَلِفُونَ فِي ثِمَارِ نَخِيلٍ بِأَعْيَانِهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، إِذْ قَدْ تُخْلِفُ تِلْكَ الْأَشْجَارُ فَلَا تُثْمِرُ شَيْئًا. وَقَوْلُهُمْ "مَحْصُورٌ بِالصِّفَةِ" تَحَرُّزٌ عَنِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي تَمْرٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ حِيتَانٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَهَا وَلَا صِفَتَهَا الْمُعَيَّنَةَ. وَقَوْلُهُمْ "بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ" تَحَرُّزٌ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. وقولهم "أومأ هُوَ فِي حُكْمِهَا" تَحَرُّزٌ مِنَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ الَّتِي يَجُوزُ تَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عِنْدَنَا ذَلِكَ الْقَدْرَ، بِشَرْطٍ وَبِغَيْرِ شَرْطٍ لِقُرْبِ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهَا. وَلَمْ يُجِزِ