Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:280
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الْخَامِسَةُ- وَيُحْبَسُ الْمُفْلِسُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ. وَلَا يُحْبَسُ عِنْدَ مَالِكٍ إِنْ لَمْ يُتَّهَمْ أَنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ. وَكَذَلِكَ لَا يُحْبَسُ إِنْ صَحَّ عُسْرُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. السَّادِسَةُ- فَإِنْ جُمِعَ مَالُ الْمُفْلِسِ ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى أَرْبَابِهِ وَقَبْلَ الْبَيْعِ، فَعَلَى الْمُفْلِسِ ضَمَانُهُ، وَدَيْنُ الْغُرَمَاءِ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ. فَإِنْ بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ ثُمَّ تَلِفَ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِ الْغُرَمَاءِ لَهُ، كَانَ عَلَيْهِمْ ضَمَانُهُ وَقَدْ بَرِئَ الْمُفْلِسُ مِنْهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ضَمَانُهُ مِنَ الْمُفْلِسِ أَبَدًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْغُرَمَاءِ. السَّابِعَةُ- الْعُسْرَةُ ضِيقُ الْحَالِ مِنْ جِهَةِ عُدْمِ الْمَالِ، وَمِنْهُ جَيْشُ الْعُسْرَةِ. وَالنَّظِرَةُ التَّأْخِيرُ. وَالْمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْيُسْرِ. وَارْتَفَعَ "ذُو" بِكَانَ التَّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنَى وُجِدَ وَحَدَثَ، هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَأَبِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شيبان ناقتي إذا كان يوم ذو كواكب أَشْهَبُ وَيَجُوزُ النَّصْبُ. وَفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ" عَلَى مَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ ذَا عُسْرَةٍ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ "وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَظِرَةٌ". قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى: وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ النَّحَّاسُ وَمَكِّيٌّ وَالنَّقَّاشُ: وَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ لَفْظُ الْآيَةِ بِأَهْلِ الرِّبَا، وَعَلَى مَنْ قَرَأَ "ذُو" فَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَحَكَى الْمَهْدَوِيُّ أَنَّ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ "فَإِنْ كان ذو عسرة"- بالفاء-. وَرَوَى الْمُعْتَمِرُ عَنْ حَجَّاجٍ الْوَرَّاقِ قَالَ: فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ "وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ" ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ "نَظِرَةٌ" بِكَسْرِ الظَّاءِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو رَجَاءٍ وَالْحَسَنُ "فَنَظْرَةٌ" بِسُكُونِ الظَّاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: [فِي [كَرْمٍ زَيْدٍ بِمَعْنَى كَرَمِ زَيْدٍ، وَيَقُولُونَ كَبْدٌ في كبد. وقرا نافع وَحْدَهُ "مَيْسُرَةٍ" بِضَمِّ السِّينِ، وَالْجُمْهُورُ بِفَتْحِهَا. وَحَكَى النَّحَّاسُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ "فَنَاظِرْهُ- عَلَى الْأَمْرِ- إِلَى مَيْسُرِهِي" بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِثْبَاتِ الياء في الإدراج. وقرى "فَنَاظِرَةٌ" قَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَا يَجُوزُ فَنَاظِرَةٌ، إِنَّمَا ذَلِكَ فِي" النَّمْلِ "لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ تَكَلَّمَتْ بِهَذَا لِنَفْسِهَا، مِنْ نَظَرَتْ تَنْظُرُ فَهِيَ نَاظِرَةٌ، وَمَا فِي" الْبَقَرَةِ "فَمِنَ التَّأْخِيرِ، مِنْ قَوْلِكَ: أَنْظَرْتُكَ بِالدَّيْنِ، أَيْ أَخَّرْتُكَ بِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:" أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ". وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ وَقَالَ: هِيَ مِنْ