Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:280
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الرِّبَا ذَا عُسْرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٌ: ذَلِكَ فِي الرِّبَا خَاصَّةً، فَأَمَّا الدُّيُونُ وَسَائِرُ الْمُعَامَلَاتِ فَلَيْسَ فِيهَا نَظِرَةٌ بَلْ يُؤَدِّي إِلَى أَهْلِهَا أَوْ يُحْبَسُ فِيهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها" الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ يَتَرَتَّبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَقْرٌ مُدْقِعٌ، وَأَمَّا مَعَ الْعُدْمِ وَالْفَقْرِ الصَّرِيحِ فَالْحُكْمُ هُوَ النَّظِرَةُ ضَرُورَةً. الرَّابِعَةُ- مَنْ كَثُرَتْ دُيُونُهُ وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ مَالَهُمْ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْلَعَهُ عَنْ كُلِّ مَالِهِ وَيَتْرُكَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لَهُ إِلَّا مَا يُوَارِيهِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ كِسْوَتُهُ الْمُعْتَادَةُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ رِدَاؤُهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُزْرِيًا بِهِ. وَفِي تَرْكِ كِسْوَةِ زَوْجَتِهِ وَفِي بَيْعِ كُتُبِهِ إِنْ كَانَ عَالِمًا خِلَافٌ. وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ وَلَا ثَوْبُ جُمُعَةٍ مَا لَمْ تَقِلَّ قِيمَتُهَا، وَعِنْدَ هَذَا يَحْرُمُ حَبْسُهُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾. رَوَى الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ" فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ". وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ: فَلَمْ يَزِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُرَمَاءَهُ عَلَى أَنْ خَلَعَ لَهُمْ مَالَهُ. وَهَذَا نَصٌّ، فَلَمْ يَأْمُرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَبْسِ الرَّجُلِ، وَهُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَلَا بِمُلَازَمَتِهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: يُلَازَمُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَالٌ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَكْتَسِبَ لما ذكرنا. وبالله توفيقنا.