Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:251
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
الْيَوْمَ لِلطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ، ثُمَّ تَدَانَيَا وَقَصَدَ جَالُوتُ أَنْ يَأْخُذَ دَاوُدَ بِيَدِهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ، فَأَدْخَلَ دَاوُدُ يَدَهُ إِلَى الْحِجَارَةِ، فَرُوِيَ أَنَّهَا الْتَأَمَتْ فَصَارَتْ حَجَرًا وَاحِدًا، فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي الْمِقْلَاعِ وَسَمَّى الله وَأَدَارَهُ وَرَمَاهُ فَأَصَابَ بِهِ رَأْسَ جَالُوتَ فَقَتَلَهُ، وَحَزَّ رَأْسَهُ وَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ، وَاخْتَلَطَ النَّاسُ وحمله أَصْحَابُ طَالُوتَ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا أَصَابَ بِالْحَجَرِ مِنَ الْبَيْضَةِ مَوْضِعَ أَنْفِهِ، وَقِيلَ: عَيْنَهُ وَخَرَجَ مِنْ قَفَاهُ، وَأَصَابَ جَمَاعَةً مِنْ عَسْكَرِهِ فَقَتَلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَرَ تَفَتَّتَ حَتَّى أصاب كل من في العسكر شي مِنْهُ، وَكَانَ كَالْقَبْضَةِ الَّتِي رَمَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي قِصَصِ هَذِهِ الْآيِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ مِنْهَا الْمَقْصُودَ وَاللَّهُ الْمَحْمُودُ. قُلْتُ: وَفِي قَوْلِ طَالُوتَ: "مَنْ يَبْرُزْ لَهُ وَيَقْتُلْهُ فَإِنِّي أُزَوِّجْهُ ابْنَتِي وَأُحَكِّمْهُ فِي مَالِيَ" مَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي شَرْعِنَا، وَهُوَ أَنْ يَقُولُ الْإِمَامُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا، أَوْ أَسِيرٍ فَلَهُ كَذَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي" الْأَنْفَالِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَارَزَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، كَمَا يَقُولُهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ إِمَامِهِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ نَهَى الْإِمَامُ عَنِ الْبَرَازِ فَلَا يُبَارِزُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَأَبَاحَتْ طَائِفَةٌ الْبَرَازَ وَلَمْ تَذْكُرْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَلَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ إِلَى نِيَّتِهِ إِنْ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ اللَّهَ فَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمُبَارَزَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمُبَارَزَةُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ حَسَنٌ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ بَارَزَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ حَرَجٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَكْرُوهٍ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ خَبَرًا يَمْنَعُ مِنْهُ.