Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:234
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
مِمَّا رَأَى بِهِ أَنَّ الْمَقَامَ لَازِمٌ لَهَا فِيهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. الْعَاشِرَةُ- وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ يَأْتِيهَا نَعْيُ زَوْجِهَا وَهِيَ فِي بَيْتٍ غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا، فَأَمَرَهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَسْكَنِهِ وَقَرَارِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ: تَعْتَدُّ حَيْثُ أَتَاهَا الْخَبَرُ، لَا تَبْرَحُ مِنْهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَوْلُ مَالِكٍ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَلَهَا الزَّوْجُ إِلَى مَكَانٍ فَتَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَكَانَ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي حَوَائِجِهَا مِنْ وَقْتِ انْتِشَارِ النَّاسِ بُكْرَةً إِلَى وَقْتِ هُدُوئِهِمْ بَعْدَ الْعَتَمَةِ، وَلَا تَبِيتُ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" لَا تُحِدَّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ". وَفِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" الْحَدِيثَ. الْإِحْدَادُ: تَرْكُ الْمَرْأَةِ الزِّينَةَ كُلَّهَا مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُحْلِ وَالْخِضَابِ بِالْحِنَّاءِ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا، لِأَنَّ الزِّينَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْأَزْوَاجِ، فَنُهِيَتْ عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا لِلذَّرَائِعِ، وَحِمَايَةً لِحُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تُنْتَهَكَ، وَلَيْسَ دَهْنُ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا بالزيت والشيرج من الطيب في شي. يُقَالُ: امْرَأَةٌ حَادٌّ وَمُحِدٌّ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَلَمْ نَعْرِفْ "حَدَّتْ". وَفَاعِلُ "لَا يَحِلُّ" الْمَصْدَرُ الَّذِي يُمْكِنُ صِيَاغَتُهُ مِنْ "تُحِدُّ" مَعَ "أَنْ" الْمُرَادَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْإِحْدَادُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- وَصْفُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَرْأَةَ بِالْإِيمَانِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا فِي الْكِتَابِيَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ نَافِعٍ، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَ عنه ابن القاسم أن عليها الإحداد ، كَالْمُسْلِمَةِ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ فَلَزِمَتِ الْكِتَابِيَّةُ لِلْمُسْلِمِ كَلُزُومِ الْمَسْكَنِ وَالْعِدَّةِ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ" دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ إِحْدَادِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَإِبَاحَةُ الْإِحْدَادِ عَلَيْهِمْ