Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:233
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
وَلَا يَجُوزُ: دَعَوْتُ زَيْدًا، أَيْ دَعَوْتُ لِزَيْدٍ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّلْبِيسِ، فَيُعْتَبَرُ فِي هَذَا النَّوْعِ السَّمَاعُ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الظِّئْرِ إِذَا اتَّفَقَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "لَا تُضَارَّ والِدَةٌ" مَعْنَاهُ الظِّئْرُ، حَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ أُمٍّ يَلْزَمُهَا رَضَاعُ وَلَدِهَا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَرَ الزَّوْجَاتِ بِإِرْضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ، وَأَوْجَبَ لَهُنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ وَالزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةٌ، فَلَوْ كَانَ الرَّضَاعُ عَلَى الْأَبِ لَذَكَرَهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ رِزْقِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ دُونَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ اسْتَثْنَى الْحَسِيبَةَ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُهَا رَضَاعَةٌ. فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْآيَةِ وَخَصَّصَهَا بِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْعَادَةِ. وَهَذَا أَصْلٌ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ إِلَّا مَالِكٌ. وَالْأَصْلُ الْبَدِيعُ فِيهِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي ذَوِي الْحَسَبِ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ، وَتَمَادَى ذَوُو الثَّرْوَةِ وَالْأَحْسَابِ عَلَى تَفْرِيغِ الْأُمَّهَاتِ لِلْمُتْعَةِ بِدَفْعِ الرضعاء للمراضع إلى زمانه فقأ بِهِ، وَإِلَى زَمَانِنَا فَتَحَقَّقْنَاهُ شَرْعًا. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ- قوله تعالى: (إِذا سَلَّمْتُمْ) يَعْنِي الْآبَاءَ، أَيْ سَلَّمْتُمْ الْأُجْرَةَ إِلَى الْمُرْضِعَةِ الظئر، قال سُفْيَانُ. مُجَاهِدٌ: سَلَّمْتُمْ إِلَى الْأُمَّهَاتِ أَجْرَهُنَّ بِحِسَابِ مَا أَرْضَعْنَ إِلَى وَقْتِ إِرَادَةِ الِاسْتِرْضَاعِ. وَقَرَأَ السِّتَّةُ مِنَ السَّبْعَةِ "مَا آتَيْتُمْ" بِمَعْنَى مَا أَعْطَيْتُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "أَتَيْتُمْ" بِمَعْنَى مَا جِئْتُمْ وَفَعَلْتُمْ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ: