Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:229
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
مَفْعُولٌ بِهِ. وَ "خِفْتُ" يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ قِيلَ: هَذَا الْخَوْفُ هُوَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، أَيْ أَنْ يَعْلَمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، وَهُوَ مِنَ الْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الْإِشْفَاقُ مِنْ وُقُوعِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الظَّنِّ. ثُمَّ قِيلَ: "إِلَّا أَنْ يَخافا" اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ إِنْ كَانَ مِنْهُنَّ نُشُوزٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي أَخْذِ الْفِدْيَةِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ "إِلَّا أَنْ يُخَافَا" بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ الْوُلَاةُ وَالْحُكَّامُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. قَالَ: لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "فَإِنْ خِفْتُمْ" قَالَ: فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجَيْنِ لَقَالَ: فَإِنْ خَافَا، وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ جَعَلَ الْخُلْعَ إِلَى السُّلْطَانِ. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ. وَقَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِقَتَادَةَ: عَمَّنْ أَخَذَ الْحَسَنُ الْخُلْعَ إِلَى السُّلْطَانِ؟ قَالَ: عَنْ زِيَادٍ، وَكَانَ وَالِيًا لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ زِيَادٍ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ، وَلَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: هَذَا إِلَى السُّلْطَانِ. وَقَدْ أُنْكِرَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَرُدَّ، وَمَا عَلِمْتُ فِي اخْتِيَارِهِ شَيْئًا أَبْعَدَ مِنْ هَذَا الْحَرْفِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ الْإِعْرَابُ وَلَا اللَّفْظُ وَلَا الْمَعْنَى. أَمَّا الْإِعْرَابُ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ "إِلَّا أَنْ يَخَافَا" تَخَافُوا، فَهَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ إِذَا رُدَّ إِلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ قِيلَ: إِلَّا أَنْ يَخَافَ. وَأَمَّا اللَّفْظُ فَإِنْ كَانَ عَلَى لَفْظِ "يَخافا" وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: فَإِنْ خِيفَ. وَإِنْ كَانَ عَلَى لَفْظِ "فَإِنْ خِفْتُمْ" وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يخاف غيركم ولم يقل عز وجل: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا لَهُ مِنْهَا فِدْيَةً، فَيَكُونُ الْخُلْعُ إِلَى السُّلْطَانِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ جَوَازُهُ دُونَ السُّلْطَانِ، وَكَمَا جَازَ الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ دُونَ السُّلْطَانِ فَكَذَلِكَ الْخُلْعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْعُلَمَاءِ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما﴾ أَيْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمَا.