Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:228
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ الْبُعُولَةُ جَمْعُ الْبَعْلِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، سُمِّيَ بَعْلًا لِعُلُوِّهِ عَلَى الزَّوْجَةِ بِمَا قَدْ مَلَكَهُ مِنْ زَوْجِيَّتِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَتَدْعُونَ بَعْلًا "أَيْ رَبًّا، لِعُلُوِّهِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، يُقَالُ: بَعْلٌ وَبُعُولَةٌ، كَمَا يُقَالُ فِي جَمْعِ الذَّكَرِ: ذَكَرٌ وَذُكُورَةٌ، وَفِي جَمْعِ الْفَحْلِ: فَحْلٌ وَفُحُولَةٌ، وَهَذِهِ الْهَاءُ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَأْنِيثِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ لا يقاس عليه، ويعتبر فيها السَّمَاعُ، فَلَا يُقَالُ فِي لَعْبٍ: لُعُوبَةٌ. وَقِيلَ: هِيَ هَاءُ تَأْنِيثٍ دَخَلَتْ عَلَى فُعُولٍ. وَالْبُعُولَةُ أَيْضًا مَصْدَرُ الْبَعْلِ. وَبَعَلَ الرَّجُلُ يَبْعَلُ (مِثْلَ مَنَعَ يَمْنَعُ) بُعُولَةً، أَيْ صَارَ بَعْلًا. وَالْمُبَاعَلَةُ وَالْبِعَالُ: الْجِمَاعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ:" إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ" وَقَدْ تَقَدَّمَ. فَالرَّجُلُ بَعْلُ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بَعْلَتُهُ. وَبَاعَلَ مُبَاعَلَةً إِذَا بَاشَرَهَا. وَفُلَانٌ بَعْلُ هَذَا، أَيْ مَالِكُهُ وَرَبُّهُ. وَلَهُ مَحَامِلُ كَثِيرَةٌ تَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أَيْ بِمُرَاجَعَتِهِنَّ، فَالْمُرَاجَعَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُرَاجَعَةٌ فِي الْعِدَّةِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَمُرَاجَعَةٌ بَعْدَ الْعِدَّةِ عَلَى حَدِيثِ مَعْقِلٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فَيَكُونُ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ مَا شَمِلَهُ الْعُمُومُ فِي الْمُسَمَّيَاتِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: "وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ" عَامٌّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ثَلَاثًا، وَفِيمَا دُونَهَا لَا خِلَافَ فِيهِ. ثُمَّ قَوْلَهُ: "وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ" حُكْمٌ خَاصٌّ فِيمَنْ كَانَ طَلَاقُهَا دُونَ الثَّلَاثِ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، وَكَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ، أَنَّهُ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا وَإِنْ كَرِهَتِ الْمَرْأَةُ، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا الْمُطَلِّقُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَتَصِيرُ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِخِطْبَةٍ وَنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ بِوَلِيٍّ وَإِشْهَادٍ، لَيْسَ عَلَى سُنَّةِ الْمُرَاجَعَةِ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَكُلُّ مَنْ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شي مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ غَيْرَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ فَقَطْ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ "فَذَكَرَ الْإِشْهَادَ فِي الرَّجْعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي النِّكَاحِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ. قَالَ ابْنُ