Tafsir
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) — 2:222
al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) · Muhammad ibn Ahmad al-Qurtubi
لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ:" لَا "زَادَ أَبُو دَاوُدَ:" وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ". الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ فَجَامِعُوهُنَّ. وَهُوَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ، وَكَنَّى بالإتيان عن الوطي، وَهَذَا الْأَمْرُ يُقَوِّي مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّطَهُّرِ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ، لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَ "مِنْ" بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْقُبُلُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:" أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ "أَيْ فِي الْأَرْضِ،: وَقَوْلُهُ:" إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "أَيْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى، أَيْ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أُذِنَ لَكُمْ فِيهِ، أَيْ مِنْ غير صوم وإحرام وَاعْتِكَافٍ، قَالَهُ الْأَصَمُّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو رَزِينٍ: مِنْ قِبَلِ الطُّهْرِ لَا مِنْ قِبَلِ الْحَيْضِ، وَقَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفَيَّةِ: الْمَعْنَى مِنْ قِبَلِ الْحَلَالِ لَا مِنْ قِبَلِ الزِّنَى. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: التَّوَّابُونَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالشِّرْكِ. وَالْمُتَطَهِّرُونَ أَيْ بِالْمَاءِ من الجنابة والأحداث، قال عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الذُّنُوبِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ. ابْنُ عَطِيَّةَ: كَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ لُوطٍ:" أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ". وَقِيلَ: الْمُتَطَهِّرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَدَّمَ بِالذِّكْرِ الَّذِي أَذْنَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يُذْنِبْ، قِيلَ: قَدَّمَهُ لِئَلَّا يَقْنَطَ التَّائِبُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَلَا يُعْجَبَ الْمُتَطَهِّرُ بِنَفْسِهِ، كَمَا ذَكَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: "فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ" عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.